هل أنقذ اتفاق الإطار لبنان، أم فكك أسسه؟

هل كان اتفاق الإطار بين لبنان و(إسرائيل) ورقة فعلية لوقف إطلاق النار؟ كلا، بل كان فتيلاً مشتعلاً رُمي في بارود الطائفية الحاقدة عمره عقود، فبعد مضي ساعات قليلة من توقيعه أتى إعلان وزير العدو كاتس عن عملية التوقيع، ليخرج نتنياهو وبشكل علني وبوقاحة يعلن أن جيشه لن ينسحب من الجنوب، في تلك اللحظة تحوّل الشارع اللبناني من ساحة مواجهة ضد (إسرائيل) إلى ساحة مواجهة مع بعضنا. انقسام حاد، خطاب طائفي تصاعدي، اتهامات واتهامات متبادلة، وبقي سؤال لم يُجب عنه وهو: إذا كان لهذا الاتفاق أي من الإيجابيات فلماذا فرقنا؟

من جبهة الجنوب إلى الداخل:

   يبدو أن الخلاف اليوم قد تشعب، طرف يرى بالاتفاق انتصاراً دبلوماسياً، وطرف آخر يراه استسلاماً وخنوعاً وذلاً موثقاً. وبين الطرفين هناك طرف آخر صامت وخائف وبتقديراتي هو الأكبر، عندها تبدأ مؤشرات الحرب الأهلية بالتشكل ليس بالضرورة بالرصاص، وإنما بإلغاء الآخر، نكون بهذه الحالة قد انتقلنا من مواجهة العدو الحقيقي لأرضنا وحقنا وذاكرتنا الجماعية وتاريخنا، إلى مواجهة بعضنا البعض.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد اختلاف في قراءة بنود اتفاق سياسي، كون الاتفاق عندما يعيد رسم آليات إدارة الصراع، فإنه يعيد بصورة غير مباشرة رسم المرجعيات التي تحكم هذا الصراع أيضاً ومن هذه الزاوية تحديداً، لا يعود النقاش محصوراً في بنود الاتفاق، بل يمتد إلى الأسس القانونية والسياسية التي استند إليها لبنان لعقود طويلة.

الغاء القرارات المرجعي

من المؤكد اليوم وبعد الاطلاع على بنود اتفاق الإطار ال 14 أن هذا الاتفاق قد أعاد عملياً تجاوز عدد من المرجعيات والقرارات الدولية والعربية التي تأسس لبنان عليها منذ قرابة ال 75 عاماً.

القرار 425: هذا القرار الذي صدر في 19 آذار 1978 كان قد طالب (إسرائيل) بالانسحاب الفوري وغير المشروط من كافة الأراضي اللبنانية، بينما اتفاق الإطار اعاد فتح ملف الانسحاب وجعله مشروطاً.

اتفاق الهدنة 1949: الذي عُقد في الناقورة في 23 آذار 1949 وقد وقعها من الجانب اللبناني المقدم توفيق سالم والمقدم جوزف حرب، ومن الجانب (الإسرائيلي) كل من المقدم مورداخي ما كليف والمقدم شيطاي روزين بحضور الوسيط الدولي رالف بانش. هو الاتفاق الذي رسم خط وقف إطلاق النار بين لبنان (إسرائيل)، بينما اتفاق الإطار أظهر خطاً جديداً وآلية مراقبة جديدة، متجاوزاً بذلك بما يعرف بالخط الأخضر القديم.

قمة بيروت العربية: عُقدت قمة بيروت في 27 و28 آذار من العام 2002 وهي تُعد من أهم القمم في تاريخ العمل العربي المشترك، حيث تم من خلالها إقرار “مبادرة السلام العربية” التي اقترحها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز (ولي العهد آنذاك) بهدف التسوية الشاملة. بينما هذا الاتفاق فصل لبنان عن هذا الإجماع، وفتح قناة تفاوض ثنائية مباشرة مع العدو، وهذا ما ينسف المبادرة العربية من مضمونها.

القرار 1701: والذي صدر عن مجلس الأمن الدولي يوم 11 آب 2006 بهدف إنهاء الحرب بين المقاومة و (إسرائيل) بعد 34 يوماً من المواجهة الشرسة، والذي وضع الجيش اللبناني واليونيفيل مسؤولين وحيدين عن منطقة الجنوب، بينما اتفاق الإطار منح الولايات المتحدة الأمريكية دوراُ تنفيذياً ورقابياً مباشر من خلال القيادة المركزية ممثلاً بالأدميرال براد كوبر منفرداُ.

بمعنى آخر كانت نتائج هذا الاتفاق، الغاء 3 قرارات دولية، واتفاقاً عربياً، لنستبدلها بورقة إطار ضربت الداخل اللبناني.

من الخلاف السياسي إلى الخيانة الوطنية

اتفاق الإطار هذا لم يخلق انقسام جديد على الساحة الوطنية، بل هو كان موجوداً وكما يقال جمر تحت الرماد، وبفضل هذا الاتفاق قد طافت على السطح، وعليه يمكن القول إننا اليوم أصبحنا أمام ثلاث لبنانات سياسية، الأول يرى الاتفاق ذلّ واستسلام وخيانة، الثاني يراه حكمة لإنقاذ البلد، أما الثالث يرى أن الجميع يتاجر بدمه وهو فاقد الثقة بالدولة ومؤسساتها وهو الأقرب إلى الانفجار بوجه الجميع باعتباره لا شيء يمكن أن يخسره.

اتفاق الإطار يبدو أنه لم يحسم شيئاً مع (إسرائيل)، فكان من نتائجه نقل الصراع من الحدود إلى الداخل وبين أبنائه، وهذا هو المطلوب (إسرائيلياً). ومن نتائجه أيضاً أنه منح كل طرف ذريعة ليتهم بها الآخر، كما أنه منح الخارج ضامناً عسكرياً جديداً يقرر عننا!!!

فإذا كان الهدف الحقيقي حماية هذا البلد، فلماذا نعمل على تفكيك وحدتنا؟! وإذا كان الهدف الأسمى هو (السلام) فلماذا ندفع نحن ثمن انقسامنا الداخلي.

الخطر ليس فيما يطلبه العدو، بل فيما نحن ذاهبون اليه بدون وعي، الخطر هو في تصديقنا سردية العدو بأن اللبناني عدو حقيقي لأخيه اللبناني.

التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تسقط عندما ينتصر العدو عليها، بل عندما ينجح في تحويل أبنائها إلى خصوم يتنازعون حول تعريف الوطن نفسه.

فهل نحن فعلاً ندافع عن لبنان؟ أو نحن ندفن ما تبقى منه؟!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *