لم يكن الأسبوع الماضي عادياً في المشهد السوري، إذ حمل في طياته مجموعة من التطورات المحلية والدولية على الصعيدين الأمني والسياسي، وبين استمرار العمليات ضد التنظيمات المتشددة وتصاعد التحذيرات الدولية بشأن الأوضاع الداخلية برزت مؤشرات تؤكد أن الطريق نحو الاستقرار يبدو طويلاً ومعقداً.
في الجانب الأمني، شكلت الغارة الأمريكية التي استهدفت أحد كبار قادة تنظيم داعش في شمال غربي سوريا تذكيراً بأن التنظيم، رغم الضربات المتلاحقة التي تلقاها خلال السنوات الماضية، لم يختفِ بشكل كامل من المشهد، فالعمليات التي تنفذها القوات الأمريكية تعكس استمرار القلق “الغربي” من قدرة التنظيم على إعادة بناء شبكاته مستفيداً من هشاشة الأوضاع الأمنية في بعض المناطق السورية وعدم الاعتراف أن التنظيم متجذر في صميم المنظومة الحالية في حكومة دمشق المؤقتة التي يرعونها، غير أن ملف مكافحة الإرهاب لم يكن الحدث الوحيد الذي استقطب الاهتمام الدولي، فقد أعادت جلسة مجلس الأمن الخاصة بسوريا تسليط الضوء على التحديات السياسية التي تعترض المرحلة الانتقالية.
ورغم مرور أشهر على انطلاق ترتيبات دولية جديدة تهدف إلى تعزيز الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، لا تزال العقبات السياسية والاقتصادية والأمنية حاضرة بقوة، ما يدفع الأمم المتحدة إلى التحذير من أخطار تباطؤ الإصلاحات وتأخر معالجة الملفات العالقة.
ففي الجنوب السوري، بدت محافظة السويداء نموذجاً مصغراً عن حجم التعقيدات التي تواجه جهود إعادة الاستقرار، فالتحذيرات الأممية الأخيرة بشأن تعثر خطط الاندماج والاستقرار تعكس استمرار “حالة من القلق حسب تعبيرهم” إزاء قدرة المؤسسات المحلية في المحافظة على تجاوز آثار الانتهاكات والجرائم التي شهدتها المحافظة، وبين مطالب السكان بتحسين الأوضاع المعيشية وتعزيز الأمن، وبين الحاجة إلى بناء توافقات محلية واسعة، تبدو المحافظة أمام اختبار صعب ستكون نتائجه مؤثرة على المشهد السوري الأوسع. كما كشفت التطورات الأخيرة أن التحديات التي تواجه سوريا لم تعد مقتصرة على الجوانب العسكرية والأمنية فقط، بل باتت مرتبطة أيضاً بملفات الحوكمة وإعادة بناء المؤسسات وانعدام الثقة بين الدولة والمجتمع.
فنجاح أي عملية انتقالية لا يقاس بغياب المواجهات المسلحة فقط، وإنما بقدرة الدولة على إعادة الاستقرار وتحسين الخدمات وتوفير بيئة تسمح بعودة النشاط الاقتصادي والاجتماعي بصورة طبيعية، وهو ما فشلت به الحكومة المؤقته بشكل كلي فلم تحصر السلاح ولم تفرض الأمن والخدمات والحالة الاقتصادية تسير نحو العدم.
إقليمياً، لا تزال سوريا تتأثر بالتطورات المحيطة بها، سواء من خلال التحركات العسكرية على بعض الجبهات أو عبر التغيرات السياسية التي تشهدها المنطقة. وهو ما يجعل المشهد السوري جزءاً من معادلة إقليمية أوسع يصعب فصلها عن حسابات القوى الدولية والإقليمية الفاعلة.
في المحصلة، أظهر الأسبوع الماضي لدى المجتمع الدولي أن سوريا تقف عند مفترق طرق حساس. فبين توترات أمنية، وتحركات محدودة ضد التنظيمات المتشددة، وتعثرات سياسية وإدارية في بعض المناطق، يظل التحدي الأكبر هو تحويل حكومة تنظيم متطرف إلى حكومة استقرار سياسي واجتماعي دائم. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى البلاد تواجه اختباراً مستمراً لقدرتها على تجاوز إرث سنوات الحرب الطويلة والانطلاق نحو مرحلة أكثر استقراراً وتماسكاً، والتي لن تكون الا بدولة قانون وحكومة مدنية لا حكومة شرعية لا تعرف عن العدل الا القتل لمن يختلف عنهم.
سومر الفيصل

