تشهد منطقتنا منذ سنوات سلسلة من التحولات العميقة التي أعادت رسم خرائط النفوذ والتوازنات السياسية والعسكرية. فمن نكبة فلسطين المستمرة منذ عام 1948، إلى ما شهدته غزة وجنوب لبنان من حروب واعتداءات مدمرة، مروراً بمحاولات التمدد اليهودي في بلادنا السورية، وصولا إلى المواجهة الكبرى التي فجّرها الاعتداء الأمريكاني على الجمهورية الإسلامية في إيران، دخل الإقليم مرحلة جديدة تختلف في معطياتها ونتائجها عما سبقها. ومع انحسار دخان المواجهات وهدوء الزلزال الحربي الذي ضرب المنطقة، بدأت ترتسم ملامح نظام إقليمي جديد، تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة الأمريكانية على الانفراد بتقرير مصير شعوب المنطقة، وتبرز فيه قوى أخرى تمتلك رأياً وازناً وتأثيراً مباشراً في رسم مستقبل الإقليم.
لقد راهنت الولايات المتحدة الأمريكانية والعدو اليهودي على إلحاق الهزيمة بإيران ودفعها إلى طاولة المفاوضات لتوقيع صك استسلام سياسي واستراتيجي، إلا أن هذه الرهانات لم تتحقق. وما يجري اليوم في الإقليم ليس سوى عملية إعادة رسم لحدود النفوذ السياسي وموازين القوة بين الدول، في ظل تراجع القدرة الأميركانية على التلاعب بمصائر المنطقة وفق مشيئتها، بعدما لم تعد القوة الوحيدة القادرة على فرض إرادتها على شعوبها ودولها.
ومن أبرز المؤشرات على هذه التحولات الموقف الإيراني الحازم فيما يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان، وهو موقف يحمل أبعادا سياسية تتجاوز الساحة اللبنانية إلى مجمل الإقليم، بل وتمتد آثارها إلى العلاقة مع الدولة العظمى التي تسمى الولايات المتحدة الأميركانية. وفي المقابل، يثير الاستغراب أن تعمد الحكومة اللبنانية إلى رفض المساعدات الإيرانية، فيما تلهث خلف الوساطات الأميركانية وتسعى إلى مفاوضات مباشرة مع العدو، وكأنها ترسل إشارات استسلام مسبقة قبل الدخول إلى أي مسار تفاوضي.
إن الواجب الحكومي والشعبي في الوطن السوري يقتضي توجيه الشكر والتقدير للجمهورية الإسلامية في إيران على ما قدمته من دعم لقضية شعبنا، وعلى وقوفها معنا في الخندق ذاته خلال أصعب المراحل. فقد كانت إيران، حكومة وشعبا وجيشا وحرساً ثورياً، إلى جانب فلسطين في مواجهة الاحتلال، وإلى جانب لبنان في التصدي للعدوان اليهودي، وإلى جانب الشام دفاعا عن مؤسسات الدولة في مواجهة المشاريع الأميركانية واليهودية وحلفائهما، كما وقفت إلى جانب العراق في مواجهة الاحتلال الأمريكاني ومشاريعه.
واللافت في هذا الدعم أنه لم يقترن بمطامع استعمارية أو أطماع اقتصادية. فلم تسعَ إيران إلى الاستيلاء على نفط العراق، ولا إلى غاز لبنان المدفون في مياهه، ولا إلى مرافئ الشام وثرواتها. لقد وقفت إلى جانب هذه القضايا لأنها رأت فيها قضايا حق وعدالة، ولأن العدو الذي يواجه شعوب المنطقة هو نفسه العدو الذي تواجهه. وقد عرضت عليها فرص ومغريات كثيرة لتحقيق مصالح خاصة مقابل التخلي عن نصرة هذه القضايا ووقف دعمها، لكنها رفضت ذلك وخاضت معارك كبرى دفاعا عن حقوقها وعن حقوق حلفائها في آن واحد.
ولعل الربط بين وقف إطلاق النار في إيران ووقف إطلاق النار على جبهة لبنان يشكل دليلا إضافيا على هذا النهج، ويعكس موقفا سياسيا وأخلاقيا نادرا في العلاقات الدولية المعاصرة. ومن هنا فإن إيران تستحق الشكر والتقدير، كما تستحق أن يوثق الأدباء والمثقفون في نتاجهم الأدبي والفكري ما أظهره الشعب الإيراني من وفاء، وما قدمه من تضحيات دعما لشعبنا وقضايانا.
وفي المقابل، فإن كثيرا من الحكومات العربية وغير العربية بالإقليم مطالبة بمراجعة مواقفها، ليس فقط تجاه إيران، بل قبل ذلك تجاه شعوبها وقضاياها الوطنية والقومية. فالحكومات التي تنحاز إلى مشاريع الهيمنة الخارجية وتدعم سياسات العدو الأمريكاني واليهودي ضد مصالح شعوبها تفقد مبررات بقائها السياسية والأخلاقية، وتتحمل مسؤولية تاريخية أمام أوطانها وأجيالها المقبلة.
ومن واجب الشعوب التي صمدت في مواجهة هذه الدولة العظمى المستعمرة بما تمتلكه من قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية هائلة، وصمدت كذلك في مواجهة الآلة العسكرية اليهودية المدعومة من قوى الاستعمار العالمي، أن تعمل على إحداث تغيير سياسي حقيقي يفضي إلى قيام أنظمة تحفظ كرامة الأمة وسيادتها واستقلال قرارها الوطني.
كما أن المرحلة المقبلة تفرض على دول الامة السورية إعادة تموضعها ضمن تحالفات تعترف بالحقوق القومية لشعبنا ولشعوب المنطقة وتحمي مصالحها، لا أن تكون جزءا من محاور تدعم العدو اليهودي على حساب هذه الحقوق. ومن الضروري أن توحد دولنا اتجاهها السياسي والاستراتيجي، وأن تبني شراكات متوازنة مع العالم العربي والدول الممتدة من إيران وتركيا وصولاً إلى الصين، ضمن إطار إقليمي ودولي قادر على ردع الأطماع الأميركانية وحلفائها، والمساهمة في تأسيس عالم أكثر توازنا، تحترم فيه إرادة الشعوب، وتتوقف فيه سياسات الهيمنة ونهب ثروات الأمم ومقدراتها.

