تفكيك «الوهم الحضاري» قراءة نقدية في أطروحة الدكتور الحبيب الشوباني حول «المسألة اليهودية في عصر الطوفان»

شكّلت المداخلة التي قدّمها الباحث المغربي الدكتور الحبيب الشوباني في منتدى «شباب سيف القدس» أرضية خصبة للنقاش والاشتباك المعرفي. ورغم الوعي التاريخي الذي أبداه في تتبع جذور «المسألة اليهودية» كأزمة أوروبية-أوروبية بامتياز، إلا أن الخلاصات التي انتهى إليها، وتحديداً ما أسماه «الحل الحضاري الإسلامي»، تستدعي وقفة نقدية حازمة وجذرية.

​إن الإفراط في اتكال الأطروحة على المقولات الحضارية الفضفاضة والإغراق في الرومانسية الفكرية يسقطها في فخاخ معرفية وسياسية تتناقض تماماً مع طبيعة المواجهة الوجودية التي فرضها طوفان الأقصى، وهو ما واجهته الندوة بمداخلات نقدية حادة وضعت النقاط على الحروف.

​أولاً: في عبقرية التشخيص وانكسار ركائز الكيان الصهيوني

​لا يمكن إنكار القيمة المعرفية التي قدمها الشوباني في تفكيك المرتكزات البنيوية التي قام عليها الكيان الصهيوني، والتي دخلت طور التآكل الشامل والتهشم البنيوي في عصر الطوفان. لقد نجح في رصد تصدع الدعامات الوجودية للصهيونية:

  • انكسار عقيدة الردع: سقوط نظرية «الجدار الحديدي» وتلاشي وهم التفوق العسكري والاستراتيجي المطلق.
  • تحطم سردية المظلومية: الإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان على البث المباشر وبأبعاد رمزية عالمية سحقت قدرته التاريخية على ابتزاز الضمير الغربي.
  • انقلاب الهجرة إلى هبوط (نزوح عكسي): تحوّل المستوطنة من «ملجأ آمن» مزعوم إلى أخطر مكان على المستوطن الصهيوني في العالم، مع فرض تعتيم شديد على أرقام المغادرة.
  • عزلة الجيتو النفسي المترنح أخلاقياً: عودة المشروع الصهيوني إلى مربع «الجيتو» لكن بأبعاد رمزية عالمية، حيث يعيش حالة حصار أخلاقي ونفسي غير مسبوق في الدوائر الشعبية الغربية.

​ثانياً: فخ التطوع المجاني بحمل «العبء الغربي»

​تكمن المفارقة الرهيبة والثغرة القاتلة في أطروحة الشوباني عندما يقتبس مقولة تفيد بأن «أكبر انتصار للصهيونية هو تحويل المسألة اليهودية إلى مسألة عربية ومشرقية»؛ فبدلاً من أن يقود هذا التشخيص الدقيق إلى رفض هذا الإقحام الاستعماري وإعادة الأزمة برمتها إلى الحاضنة الغربية التي أنتجتها، يندفع الشوباني طوعاً وبصورة تدعو للعجب إلى مطالبة الفضاء المشرقي بابتداع «حل حضاري إسلامي» يستوعب هذه المسألة!

​هنا تبرز الردود الحاضرة والذكية التي طُرحت في المنتدى: لماذا نتحمل نحن وزر جريمة تاريخية أوروبية خالصة؟ إن محاولة صياغة «حلول حضارية» لاحتواء وتوطين أزمة وجودية لكيان استيطاني إحلالي اقتلاعي، هي وقوع مباشر في فخ الاستدراج المعرفي؛ فالشعوب الأصيلة في هذه المنطقة ليست مصحة نفسية أو أخلاقية لمعالجة الأمراض التاريخية والآثام الإمبراطورية لأوروبا. إن تحويل الصراع من مواجهة مع احتلال واقتلاع مادي عنصري إلى «ندوة لاهوتية وحضارية» تبحث عن التعايش، هو تسييل فكري خطير لجوهر القضية وتكريس مبطن للنتائج الاستعمارية.

​ثالثاً: تسييل الصراع في قوالب الإيديولوجيا الهلامية

ينزلق الدكتور الشوباني في أطروحته نحو فخ منهجي خطير، يتمثل في «تسييل» الصراع وتحويله من مواجهة استعمارية استيطانية مادية ومباشرة فوق جغرافية محددة، إلى معركة ميتافيزيقية مائعة تضيع فيها الحدود والسيادات. إن الإغراق في طرح شعارات «الحل الإسلامي الحضاري» أو الهروب نحو «الأمميات العقائدية الفضفاضة» العابرة للقارات، يساهم –من حيث لا يدري صاحبه– في تجريد القضية من زخمها الحقوقي والواقعي.

​إن تسمية هذه المنطقة بـ «الحوض الحضاري الإسلامي» تنطوي على اختزال واختلال منهجي يُسطّح التراكم التاريخي المعقّد لأقاليمها الطبيعية. هذا المفهوم يعمد إلى تأطير الهوية الحضارية ضمن بُعد عقائدي وثيوقراطي واحد، متجاهلاً طبقات تاريخية عميقة وثابتة تعاقبت وتفاعلت على هذه الأرض لآلاف السنين، ومحوّلاً مجتمعات حية لها صيرورتها الخاصة إلى مجرد «أوعية سلبية» استقبلت هويتها جاهزة من الخارج، بينما الحقيقة تؤكد أن كل إقليم منها هو فاعل حضاري مستقر صبغ الثقافة الوافدة بخصائصه الجغرافية والاجتماعية.

​ويتجلى هذا الاختزال المنهجي بوضوح عند تفكيك الهوية الجيوتاريخية لأقاليم المنطقة الثلاثة:

​1. الهلال الخصيب: تراكم الطبقات المشرقية

​في المشرق، يسقط التوصيف الديني آلاف السنين من البناء المتراكم—من السومرية والأكادية، إلى الفينيقية والكنعانية والآشورية، وصولاً إلى الإرث الآرامي والسرياني والمسيحي المشرقي. الحضارة هنا لم تبدأ بظهور الإسلام؛ بل إن الإسلام نفسه عندما استقر في هذه البيئة، تشرّب من أنماطها الاجتماعية، والمعمارية، واللغوية، والإدارية التي كانت قائمة ومتجذرة في عمق الأرض والمجتمع.

​2. وادي النيل: الاستمرارية الحضارية النهرية

​وفي مصر والسودان، يغفل هذا المفهوم طبيعة الحضارة ابنة الجغرافيا اللصيقة بالنهر. فالإرث الفرعوني والكوشي (في نبتة ومروي) صاغ ملامح الإنسان والدولة ونظم الإدارة والزراعة قبل ظهور الأديان الإبراهيمية بقرون، كما شكّلت المرحلة القبطية والنوبية المسيحية جسراً ثقافياً ولغوياً عميقاً في وجدان المنطقة. عند دخول الإسلام واللغة العربية، واجها بنياناً مؤسسياً واجتماعياً صلباً، فكانت النتيجة التاريخية هي «تمصير» الثقافة الوافدة وتوطينها لتأخذ طابعاً محلياً يحمل جينات وادي النيل الإدارية والطقسية.

​3. المغرب العربي: الجذر الأمازيغي والامتداد المتوسطي

​وفي الشمال الأفريقي، يتجلى التسطيح في تجاوز المعطى الديمغرافي والثقافي الأساسي: النسيج البشري واللغوي الأمازيغي المستمر والممتد برابطة عضوية مع الأرض (من جبال الأطلس إلى الصحراء الكبرى) عبر آلاف السنين، إلى جانب التفاعل البونيقي (القرطاجي) والمتوسطي القديم. إن حصر المغرب في لافتة «الحوض الإسلامي» يظهره وكأنه لم يدخل التاريخ إلا بعد القرن السابع الميلادي، متجاهلاً كيف صبغت المنطقة الإسلام نفسه بطابعها الثقافي المستقل، وكيف حافظت على خصوصيتها التاريخية واللغوية.

النتيجة الحرجة: إن تحويل الهوية المتكاملة الناتجة عن تفاعل الإنسان مع بيئته وأرضه عبر العصور إلى مجرد «وعاء ديني»، يؤدي إلى تفتيت الرابطة الثقافية والاجتماعية الواقعية القائمة على الأرض، واستبدالها برابطة مذهبية وعقائدية فضفاضة؛ مما يحرم هذه الأقاليم الحيوية من الوعي بهويتها الجيوتاريخية الخاصة كفواعل أصيلة صاغت تاريخها ووجهها الحضاري عبر العصور.

                                          يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *