وثّق الشهيد فتحي بشير البلعاوي لجوانب من الحياة الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني لإصدارها في كتاب، في انتظار أن تكون مقدمة الكتاب بقلم زكريا السنوار أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة الإسلامية في غزة. لكن البلعاوي استشهد عام 2023 في دير البلح بغارة إسرائيلية، واستشهد السنوار عام 2025 بغارة إسرائيلية على خيمته في غزة، ما دفع «مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات» (بيروت) إلى تولّي إصدار الكتاب.
تضمّن «الحياة الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال البريطاني 1917 – 1948» (تأليف البلعاوي قبل استشهاده ـ مركز الزيتونة) ستة فصول عرضت للأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في فلسطين في عهد الدولة العثمانية، وفي المرحلة تحت الاحتلال البريطاني، مع تركيز تفصيلي لجوانب مهمة تؤشّر إلى علامات فارقة في المجتمع الفلسطيني السلبي منه والإيجابي.
ثمة ملاحظات استنتجناها، وقد أفاد المؤلف/ الشهيد البلعاوي بإيرادها كمنهجية في التأريخ، لا سيما أن قضية فلسطين ما زالت في مشهد الحراك منذ ما يقارب المئة عام. ونعني بها ما يتعلق بتغلغل الحركة الصهيونية في فلسطين على مرأى ومسمع العهد العثماني، وأنانيات صراعات العائلات الفلسطينية الشخصية والشخصانية التي حكمت سلوكياتها، وبدعم بريطاني مطلق لإتمام الصهيونية مشروع احتلالها فلسطين. ملاحظة أخرى تتعلق بدور المرأة الفلسطينية في تلك الحقبات وفيها أظهرت من الوعي لمخاطر الصهيونية وشجاعة التصدي لها بما تمايز عن كثير من رجالات تلك الفترة.
فالكتاب بمثابة سرد أنتروبولوجي لوقائع الحياة الاجتماعية والثقافية في فلسطين شملت تكويناته الطبقية من وجهاء وأفندية أو فئة الأشراف، والملاكين الكبار أو الإقطاعيين، وجميعهم نالوا امتيازات في العهدين العثماني والبريطاني وحافظوا عليها بكل الوسائل بعيداً عن أي دور وطني «وفشلوا في الحد من وقف المدّ الصهيوني» (ص.84)، في حين «كان موقف الملاكين الكبار سلبياً في عملية بيع الأراضي» (ص.89) مع ممارسات بالفساد في المسؤوليات التي تولوها، إضافة إلى طبقات الفلاحين والعمال، ونشوء الطبقة الوسطى، وتطور أعداد السكان، والعادات والتقاليد، والأزياء الشعبية وأنواع وأسماء المأكولات، وتطور الملابس والتطريز.
وهنا لا بد لنا من أن نتوقف عند ما شكلته الأزياء التراثية الفلسطينية من حفاظ على الهوية الوطنية، ودخولها في صراع ثقافي مع سعي العدو الإسرائيلي إلى مصادرتها وادعاء نسبتها إليه. أما طقوس التعاطي مع الوفاة، والزواج وكل ما يتفرع من هذه السلوكيات الاجتماعية، فقد تناولها بالتفصيل الدقيق.
واحتل المنزل فصلاً مستقلاً لما للمنزل من مكانة عاطفية مبنية على مفاهيم اجتماعية/ أُسرية، فيربط ما بين بدائيته كبناء ثم تطوره العمراني.
ومثلها في الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية والمسيحية والمواسم الشعبية، شارحاً لأسماء وتواريخ ومظاهر تلك المناسبات، منها أعياد الأضحى والفطر والفصح ويوم عاشوراء «للتذكير بمقتل الحسين حيث يؤدون الصلاة ويوزعون الصدقات على اليتامى»، مع تعداد وشروحات مفصلة لهذه الأعياد كيوم «الداروم» ويشترك المسيحيون والمسلمون في إحيائه وهو اليوم التالي لعيد الفصح.
يذكر المؤلف الشهيد «أن فئة الملاكين الكبار (الإقطاعيون) من العائلات الفلسطينية احتكرت مساحات واسعة من أرض فلسطين، وأسهم قانون الدولة العثمانية لتسجيل الأراضي سنة 1861 أي قانون الطابو في هذا التملك، وفي بيع الدولة الأراضي بالمزاد العلني، ما أسهم في شراء تجّار أغنياء لبنانيين كآل بسترس وسرسق وتويني ومتى فرح وسليم الخوري أخصب أراضي مرج ابن عامر وسهل الحولة ثم بيعها للصهاينة» (ص.34). كما أن قبيلة الزبيد في سهل الحولة سجّلت أراضيها لعائلة عابو اليهودية في صفد خوفاً من دفع الرسوم للعثمانيين، مقابل أن تدافع فرنسا عن حقوق القبيلة باعتبار أن الحاخام شموئيل عابو كان يتولى حينها قنصل فرنسا الفخري في صفد (ص.53).
ونال الانقسام السياسي بين عائلتي الحسيني والنشاشيبي تحت الاحتلال البريطاني تشريحاً من المؤلف، محمّلاً هذا الصراع وحلفاء كل من العائلتين غياب المسؤولية الوطنية تجاه مخاطر المشروع الصهيوني، والعمل في خدمة الاحتلال البريطاني كموظفين.
أما الفصل الثالث، فركز على دور المرأة في المجتمع الفلسطيني ما بين 1920 – 1929 مبرزاً ما تستحقه نضالات هؤلاء النسوة ومنها: أول نشاط سياسي شاركت فيه المرأة الفلسطينية في 27/2/1920 عندما خرجت بقيادة المثقفات المسلمات والمسيحيات في تظاهرات ضمت 40 ألف متظاهرة في مدن القدس ويافا وحيفا اعتراضاً على سياسة الاحتلال البريطاني والمطالبة بوقف الهجرة اليهودية ووقف تعذيب الفلسطينيين في سجون الاحتلال.
وفي ثورة البراق عام 1929، استشهدت تسع نساء (مذكورة أسماؤهن في الكتاب)، وجُرحت أخريات، وأمددن الرجال بالسلاح والذخائر للمرة الأولى في تاريخهن.
وفي عام 1933، ألقت سيدة مسيحية تدعى متيل مغنم خطبة للمرة الأولى على منبر مسجد عمر في القدس ضد البريطانيين ودعمهم للصهيونية. وما بين 1936 و1948، تضاعفت جهود النساء بعقد المؤتمرات وتلقي دورات في الإسعافات الأولية. وشاركت شمسة الحسنة في المساعدة على اغتيال العملاء وكانت عضوة في مجموعة «الكف الأخضر»، ومثلها عائشة المايات. ونالت فاطمة غزال لقب أول شهيدة فلسطينية في المعارك العسكرية (مذكورة أسماء المقاتلات).
وارتبط دور المرأة بتأسيس عدد من الجمعيات النسائية، مع إشارة المؤلف إلى أن معظم المشاركات في عضوية الجمعيات هنّ من أتباع الديانة المسيحية، ما يدلل على تفوق الحس الوطني إزاء المخاطر التي أصابت فلسطين.
نختم مع رسالة رئيسة لجنة السيدات في مدينة عكا أنيسة الخضرة التي وجهتها إلى رئيسة الاتحاد النسائي المصري هدى شعراوي كأنها اليوم، وجاء فيها: «يا جيرة الأرض المقدسة. ألم تأتكم أنباء ما حل بإخوانكم فيها فاجعة كالطوفان توشك أن تحل بجنابكم. ستبدل معالم أمة وتمحو من الوجود أقدس بقاع الإسلام. أتتركونا وحدنا وفيكم لسان يتكلم وقلب ينبض؟» ترى، ماذا لو استبدلنا اسم الخضرة وشعراوي بأسماء كامل شهداء وأسرى وجرحى وأرض فلسطين وأسماء الملايين من العرب؟ فما الذي نراه قد تغيّر منذ عام 1948؟

