بعد أن تحدّثنا في المقالات السابقة عن الجيل الجديد، وعن مكانة الطلبة في فكر سعاده، وعن دور التربية في صناعة الإنسان الجديد، يبقى سؤال أساسي: ماذا يريد سعاده من هذا الجيل بعد أن يكتسب الوعي والمعرفة والتثقيف؟
هل يكفي أن يفهم الشاب قضيته القومية؟ وهل يكفي أن يؤمن بها؟
الجواب عند سعاده واضح: الوعي هو البداية، لا النهاية. فالفكر الذي لا يتحول إلى عمل يبقى ناقصاً، والمعرفة التي لا تتحول إلى مسؤولية تبقى عقيمة، والإيمان الذي لا يترجم إلى فعل لا يغيّر واقعاً ولا يصنع مستقبلاً.
ولهذا لم يكن سعاده يريد جيلاً من المتفرجين على الحياة، بل جيلاً من المشاركين في صنعها.
من التفكير إلى العمل
منذ سنواته الأولى، أدرك سعاده أن أزمة المجتمع السوري ليست أزمة جهل فحسب، بل أزمة إرادة أيضاً. فكم من الناس يدركون وجود المشكلات، ولكنهم يكتفون بالشكوى منها. وكم من الناس يتحدثون عن الإصلاح، لكنهم لا يقدمون خطوة واحدة في سبيل تحقيقه.
ولهذا دعا مبكراً إلى ما سمّاه «التفكير العملي»، أي التفكير الذي يقود إلى العمل والإصلاح.
ففي مقاله «التفكير العملي والإصلاح الاجتماعي»[1] الصادر سنة 1931، انتقد حالة الجمود والاستسلام التي كانت تتحكم بالمجتمع، ورأى أن النهوض لا يتحقق بالحنين إلى الماضي ولا بالاكتفاء بانتقاد الواقع، بل بالبحث الجدي عن حلول للمشكلات الاجتماعية وبالعمل على تنفيذها.فالحياة، في نظره، ليست ساحة للتذمر، بل ميدان للفعل.
الشباب قوة تغيير
كان سعاده يؤمن بأن الشباب هم الفئة الأكثر قدرة على حمل هذه المسؤولية. فهم لم يتشبعوا بعد بعادات الخضوع والتسليم، ولم تستنفذهم حسابات المصالح الضيقة، وما زالوا يمتلكون القدرة على المبادرة والإقدام.
ولهذا لم يخاطبهم بوصفهم فئة تحتاج إلى الرعاية فقط، بل بوصفهم قوة تاريخية قادرة على التغيير.
وفي افتتاحية جريدة «الجيل الجديد» كتب:
“إنه جيل جبار مهمته العظمى: رفع الحياة وفهم الكون وإنشاء الفن وتغيير وجه التاريخ.”[2]
إنها نظرة بعيدة كل البعد عن الصورة التقليدية للشباب بوصفهم مجرد مرحلة عمرية عابرة. فالشباب عند سعاده هم طاقة الأمة المتجددة، والقوة القادرة على نقلها من حال إلى حال.[3]
لكن هذه القوة لا تصبح فاعلة إلا إذا ارتبطت بهدف، واضح وقضية واضحة.
المسؤولية تبدأ من النفس
لم يكن سعاده يطالب الشباب بإصلاح العالم قبل إصلاح أنفسهم.
فالنهضة، كما أكد مراراً، تبدأ في النفوس قبل أن تظهر في المؤسسات. ولذلك ربط دائماً بين المسؤولية العامة والمسؤولية الشخصية.
فالإنسان الذي يعجز عن ضبط نفسه لا يستطيع أن يسهم في إصلاح مجتمعه. والذي يستسلم للخوف أو الأنانية أو اللامبالاة لن يكون قادراً على خدمة قضية أكبر من مصالحه الخاصة.
ولهذا كانت النهضة، في جوهرها، عملية بناء للشخصية الإنسانية الجديدة: شخصية تؤمن بالحق، وتحترم الواجب، وتتحمل المسؤولية، وتربط مصيرها بمصير مجتمعها.[4]
ومن هنا نفهم لماذا ركّز سعاده على المناقب والفضائل بقدر تركيزه على المعرفة والثقافة. فالمطلوب ليس إنساناً مثقفاً فقط، بل إنساناً صالحاً للعمل والبناء والعطاء.
من الاهتمام بالنفس إلى الاهتمام بالمجتمع
غير أن المسؤولية القومية لا تتوقف عند حدود الفرد.
فالشاب الذي يكتسب الوعي الحقيقي لا يعود أسير همومه الشخصية الضيقة، بل يصبح معنياً بمشكلات مجتمعه ومستقبل أمته.
وفي هذا السياق، كان سعاده يحارب النزعة الفردية التي تجعل الإنسان يعيش لنفسه وحدها، ويرى أن قيمة الفرد تزداد بقدر ما يسهم في حياة مجتمعه.
ولهذا دعا الشباب إلى المشاركة في الشأن العام، وإلى الاهتمام بقضايا الناس، وإلى تحويل الفكر إلى قوة فاعلة في المجتمع.
فالقضية القومية ليست فكرة تُحفظ، بل مسؤولية تُمارس. وليست شعاراً يُرفع، بل عملاً يُنجز.
جيل يصنع المستقبل
لقد كان سعاده يدرك أن الأمم لا تتقدم بالأماني، ولا تتغير بالخطب وحدها، بل بالأجيال التي تحمل مسؤولية التغيير.
ولهذا لم يرد من الشباب أن يكونوا ورثة لعهد قديم، بل بناة لعهد جديد.
أرادهم أن يكونوا أصحاب مبادرة لا أسرى انتظار، وأصحاب إرادة لا أسرى ظروف، وأصحاب رسالة لا مجرد شهود على الأحداث.
ومن هنا يمكن القول إن الرسالة الأساسية التي وجهها إلى الشباب كانت بسيطة وعميقة في آن واحد:
لا يكفي أن تعرفوا الحقيقة، بل يجب أن تعملوا لها.ولا يكفي أن تؤمنوا بالمستقبل، بل يجب أن تسهموا في صنعه.
فالتاريخ لا يصنعه المتفرجون، بل الذين يتحملون مسؤولية تغييره.
ولهذا تبقى دعوة سعاده إلى الشباب دعوةً إلى الانتقال من الوعي إلى المسؤولية، ومن المعرفة إلى العمل، ومن الإيمان بالفكرة إلى تحويلها قوةً حيّة في المجتمع.
فمن هذا الانتقال تبدأ النهضة، وبه يُصنع المستقبل.
[1] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الأول (1930–1931)، «التفكير العملي والإصلاح الاجتماعي»، جريدة صوت الأحرار، 1931.
[2] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن (1948–1949)، «الجيل الجديد»، الجيل الجديد، بيروت، العدد 1، 3–4 نيسان 1948.
[3] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن (1948–1949)، «توجيه المدرسين»، محاضرة في مؤتمر المدرسين، النظام الجديد، المجلد الأول، العدد 5، تموز–آب 1948.
[4] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن (1948–1949)، «توجيه المدرسين»، محاضرة في مؤتمر المدرسين، النظام الجديد، المجلد الأول، العدد 5، تموز–آب 1948.
الشباب والقضية القومية: من الوعي إلى المسؤولية

