لم تكن الهويّة القوميّة في سوريّة الطبيعيّة شعارًا سياسيًّا ولا خطابًا رومانسيًّا، بل هي شرط وجود الأمّة واستقرارها. ولن تنهض الأمّة ما لم تُهدَم خنادق الطائفيّة السياسيّة والانعزاليّة العنصريّة، ويُعاد الاعتبار للمواطَنة بوصفها الأساس الوحيد للعلاقة بين الفرد والدولة. عندها فقط، يتحوّل التنوّع إلى لوحة ثراء حضاريّ، لا إلى حدود فاصلة بين أبناء الوطن الواحد.
ويرى الباحث العراقي د. عبد الحسين شعبان: أنّ «المواطَنة في نهايّة المطاف هي مجموع القيم الإنسانيّة والمعايير الحقوقيّة والقانونيّة المدنيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والدينيّة، التي تمكّن الفرد من الانخراط في مجتمع والتفاعل معه إيجابًا والمشاركة في إدارة شؤونه، وهو ما نطلق عليه مصطلح المواطنة العضويّة». ولكنّنا نرى أنّ فهم الواقع الاجتماعيّ سيمنح الإنسان القدرة على نقد المجتمع من داخله وصولاً إلى المواطنة. والنقد مرتبط بمساحة الحريّة التي يمتلكها المواطن/ الفرد. والعلاقة عكسيّة: كلّما اتّسعت مساحة الحرّيّة، اتّسعت مساحة النقد في المجتمع.
وهكذا نسير نحو المواطنة كمفهوم قانونيّ وسياسيّ.. فبُعده القانونيّ يرتكز على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بسبب الجنس والعرق والدين، وتشكّل العدالة بمعاييرها الدوليّة أساس إدارة المؤسّسات.
أمّا البُعد السياسيّ فهو الحقّ في المشاركة في تقرير شؤون المجتمع عن طريق الانتخابات وممارسة الحرّيّات في ظلّ مناخ اجتماعيّ مشجّع وداعم للمشاركة مع الآخر أفرادًا ومؤسّسات.
وتشكّل الحقوق والواجبات آليّات عمل المواطن والمشاركة في أبعادها كسلوك إيجابيّ واقعيّ شامل متكامل يسعى لبلورة هدف ووسيلة ويؤكّد الدور الفاعل للمواطن في إدارة مفاصل الدولة عبر الدخول السليم في خضمّ العمليّة الديمقراطيّة التعبيريّة التي يجب أن ترتكز على الهويّة السوريّة كهويّة رئيسيّة وجامعة لكلّ مكوّنات عناصر المجتمع.
وهناك شروط ومقوّمات أساسيّة لا غنى عنها في اكتمال وجود المواطنة، وهي:
أوّلاً: اكتمال نموّ الدولة
يُعدّ اكتمال نموّ الدولة ذاتها بُعدًا أساسيًّا من أبعاد نموّ المواطَنة، ويتحدّد نموّ الدولة بامتلاكها لثقافة تلك الدولة، التي تؤكّد على المشاركة والمساواة أمام القانون.
ثانيًا: ارتباط المواطَنة بالديموقراطيّة.
تُعتبر الديموقراطيّة الحاضنة الأولى لمبدأ المواطَنة. وفي هذا الإطار تعني الديموقراطيّة التأكيد على لامركزيّة القرار، في مقابل اختزال مركزيّة الجماعة. كما تعني أنّ الشعب هو مصدر السلطات، إضافة إلى التأكيد على مبدأ المساواة السياسيّة والقانونيّة بين المواطنين، بصرف النظر عن الدين، أوالعِرق، أو المذهب أو الجنس.
ركائز الهويّة نحو المواطَنة
إنّ إعادة بناء الهويّة في المجتمع السوريّ ليست مهمّة مستحيلة، لكنّها تتطلّب رؤية استراتيجيّة طويلة الأمد، ترتكز على ثلاثة مستويات متكاملة:
المستوى السياسيّ:
الالتزام الحقيقيّ بالدولة المدنيّة الديمقراطيّة، القائمة على سيادة القانون، واستقلال القضاء، وتفعيل مؤسّسات تعبيريّة تعبّر عن إرادة المواطنين لا عن حصص الأقلّيّات والطوائف.
المستوى الثقافيّ:
ترسيخ ثقافة التعدّديّة، وقبول الآخر، وإعادة الاعتبار للتعليم والإعلام بوصفهما أداتين لصناعة وعي وطنيّ جامع، يعترف بالتنوّع اللغويّ والدينيّ بوصفه ثروة وطنيّة لا تهديدًا للوحدة.
المستوى الاقتصاديّ:
تحقيق العدالة في توزيع الثروات، ومكافحة الفساد، وتقليص الفوارق الطبقيّة. فالتنمية والعدالة الاجتماعيّة تشكّلان خطّ الدفاع الأوّل ضدّ الانكفاء نحو الهويّات الفرعيّة بحثًا عن الأمان.
لقد تغيّر مفهوم المواطنة منذ نشوئه في فكر الفيلسوف زينون الرواقيّ وحتّى اليوم. ففي كلّ حقبة تاريخيّة مرّ بها المفهوم وتطوّر إنّما كان هذا التغيّر والتطوّر يعبِّر عن التركيبة الثقافيّة والأخلاقيّة لتلك الحقبة، ومن ثمّ كانت المواطَنة هي المؤشّر على مدى تحقّق المُثُل الأخلاقيّة والسياسيّة في زمانها، فالمواطن عند اليونان (حيث كان يعيش الفيلسوف زينون الرواقيّ) مثلاً هو (اليونانيّ الحر)، بينما المواطن في زمن الدولة القوميّة هو أحد أبناء الأمّة المكوِّنة للدولة… فالمواطَنة قديمًا لم تكن تشير طوال الوقت إلى مبادئ وقيم أخلاقيّة وسياسيّة عامّة، وإنّما كانت تعبّر عن وضعيّة خاصّة يحوزها البعض، ويُحرَم منها الآخرون، أي أنّ المواطَنة كانت حالة من عدم المساواة، يقابلها رغبة وكفاح من أجل المساواة من جانب أولئك الذين حُرموا منها، ومن هنا فإنّ تاريخ مبدأ المواطَنة هو تاريخ سعي الإنسان من أجل الإنصاف، والعدل، والمساواة، وصولاً إلى «المواطَنة المعولمة »
« المواطنة المعولمة» مفهوم مستحدَث يصف إنسانًا (يُسمّى: مواطن العالم) يستطيع التفاعل على مستوى عالميّ مع أيّ شخص مهما اختلفت ثقافته وموطنه. انتشر استعماله مع تزايد الوعي حول العولمة وانتقلت هويّة الإنسان من منظور وطنيّ/ قوميّ بحت، إلى مفهوم وطنيّ واسع.
من المهارات التي على المواطن المعولم أن يمتهنها هي: مهارات المشاركة المدنيّة والفعاليّة السياسيّة، التعاطف الثقافيّ، واحترام التنوّع، والقدرة على التوفيق بين الصراعات والتوصّل إلى توافق في الآراء من خلال وسائل سلميّة، بما في ذلك المناقشات والمداولات والمفاوضات.
لا شكّ أنّ مفهوم «المواطنة المعولمة» يأخذ معنًى أكثر وضوحًا في سياق المؤسسات الدوليّة، على ضوء المشاكل التي تؤثّر على جميع سكّان العالم مثل ظاهرة الاحتباس الحراريّ والتهديدات الإرهابيّة، وزيادة الالتزام والترابط بين سكّان بلدان مختلفة. الأساس الأيديولوجيّ للمواطنة المعولمة يعتمد على حقوق الإنسان، كما وردت في ميثاق الأمم المتّحدة، بما في ذلك الحقوق الاجتماعيّة. أبعد من ذلك، فإنّ معظم الحركات العاملة ضمن المواطَنة العالميّة تؤكّد على مسألة الحدّ من الفجوات بين الدول النامية والمناطق الفقيرة كجزء من مواطن عالميّ.
أمّا على المستوى الفلسفيّ يمكن أن تشير المواطَنة المعولَمة في بعض السياقات إلى نوع من الأخلاق أو الفلسفة السياسيّة تُقترح فيها معالجة الحقائق الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والبيئيّة الأساسيّة في العالم اليوم على جميع المستويات- من قِبَل الأفراد ومنظّمات المجتمع المدنيّ والمجتمعات والدول القوميّة من خلال منظور معولَم. وتشير إلى نظرة عالميّة شاملة-ثقافيّة وبيئيّة- تقبل الترابط الأساسيّ بين كلّ الأشياء. تصبح الحدود السياسيّة والجغرافيّة بلا قيمة، ويُنظر إلى حلول التحدّيات الراهنة على أنّها يجب أن تتجاوز الرؤية الضيّقة للمصالح الوطنيّة.
ولكن قبل الوصول إلى «المواطَنة المعولَمة» أمامنا طريق نحو «المواطَنة التعاقديّة»، وهو المفهوم الذي ساد بدءًا من عصر النهضة، والذي كان يقوم على فكرة العَقد الاجتماعيّ، على اعتبار أنّ هذا الأخير-والذي تمّ تأسيسه على يد فلاسفة مرموقين من مثل توماس هوبز وسبينوزا وجون لوك وجان جاك روسو- يُعتبر المحدّد الرئيسيّ لطبيعة الدولة ونشأتها وبنية المؤسّسة التشريعيّة والقضائيّة والتنفيذيّة. فلسفة العقد الاجتماعي تأخذ نموذجين في علاقتها بالمواطنة، نموذج الاتّحاد، وميثاق الرعايا، وعليه فإنّ المواطَنة تأخذ شكلين، مواطَنة الرعايا ومواطَنة المواطنين.

