في زمنِ الحروبِ المدمِّرة، والإبادةِ الجماعية، والانقساماتِ التي تُمزِّقُ المجتمعَ من الداخل، وفي زمنِ التفاهةِ واللامبالاةِ وتغليبِ المصالحِ الفرديةِ الضيّقةِ على المصلحةِ العامة، تبدو العودةُ إلى الفكرِ الذي يوقظُ الحسَّ الاجتماعيَّ ويُعيدُ للإنسانِ شعورَهُ بالانتماءِ إلى مجتمعِه وأمتِه ضرورةً مُلحّةً لا ترفاً فكرياً. وفي هذا السياق، يبرزُ مفهومُ «الوجدانِ القومي» الذي تحدَّث عنه أنطون سعاده في مقدّمةِ كتابه نشوء الأمم بوصفِه أحدَ أهمِّ المفاهيمِ الفكريةِ والأخلاقيةِ التي تحتاجُها أمتُنا اليوم للخروجِ من حالةِ التفكّكِ والانحلالِ والفوضى.
لم يكن الوجدانُ القوميُّ عند سعاده مجرّدَ عاطفةٍ حماسيةٍ عابرة، ولا خطاباً رومانسياً عن الوطن، بل كان ظاهرةً نفسيةً اجتماعيةً عميقةً تُعبِّرُ عن استيقاظِ شعورِ الإنسانِ بوحدةِ حياتِه مع مجتمعِه، وعن انتقالِه من دائرةِ الأنانيةِ الفرديةِ الضيّقةِ إلى رحابِ الشعورِ بالمصلحةِ العامةِ والخيرِ المشترك. ولذلك اعتبر سعاده أنّ هذا الوجدانَ هو الشرطُ الأساسيُّ لأيِّ نهضةٍ حقيقية، لأنّ الأممَ لا تقومُ بالمصالحِ الفرديةِ المتناحرة، بل بقيامِ شعورٍ جامعٍ يُوحِّدُ الإراداتِ والغاياتِ والآمال.
لقد لخّص سعاده معنى الوجدانِ القوميِّ بكلماتٍ بالغةِ العمق حين قال إنّ الفرد، بفضلِ هذا الوجدان، «يضيفُ إلى شعورِه بشخصيتِه شعورَهُ بشخصيةِ أمّتِه، ويزيدُ على إحساسِه بحاجاتِه إحساسَهُ بحاجاتِ مجتمعِه، ويربطُ مصالحَهُ بمصالحِ قومِه.»[1] وفي هذه العباراتِ القليلةِ تتجلّى فلسفةٌ اجتماعيةٌ كاملة، لأنّ الإنسانَ لا يعودُ يرى نفسَهُ كائناً معزولاً عن مجتمعِه، بل يصبحُ جزءاً حيّاً من قضيّتِه الجماعية، يتألّمُ لألمِها ويعملُ لخيرِها كما يعملُ لخيرِ نفسِه.
وإذا كان سعاده قد شدّد على ضرورةِ هذا الوجدانِ في زمنِه، فإنّ حاجتَنا إليه اليوم تبدو أكبرَ وأشدَّ إلحاحاً. فنحنُ نعيشُ في مرحلةٍ تتفشّى فيها النزعاتُ الفرديةُ والأنانياتُ المرضيةُ والتعصّباتُ الطائفيةُ والمذهبيةُ، حتى باتَ كثيرون ينظرون إلى المجتمعِ بوصفِه ساحةَ صراعٍ للمصالحِ الخاصة، لا وحدةَ حياةٍ ومصير. لقد تحوّلتِ الطوائفُ والأحزابُ الضيّقةُ والعصبياتُ الفئويةُ إلى جدرانٍ تفصلُ أبناءَ المجتمعِ الواحد، وغدا الإنسانُ مستعدّاً لأن يُخاصمَ أخاهُ في الوطنِ دفاعاً عن زعيمٍ أو مذهبٍ أو مصلحةٍ آنية.
وفي ظلِّ هذه الحالةِ من الانحلالِ الاجتماعيِّ والأخلاقي، تبدو أفكارُ سعاده وكأنّها نداءٌ إنقاذيٌّ موجَّهٌ إلى الأمة بأسرها. فهو لم يرَ في الطائفيةِ مجرّدَ اختلافٍ ديني، بل اعتبرها مرضاً يُفكِّكُ المجتمعَ ويزرعُ الحقدَ والانعزالَ والتقوقعَ بين أبنائِه. ولذلك قال بوضوح: «إنّ لبنانَ يَهْلِكُ بالحزبيةِ الدينيةِ ويحيا بالإخاءِ القومي.»[2] وهي عبارةٌ لا تزالُ تختصرُ مأساةَ واقعِنا حتى اليوم، حيثُ تتحوّلُ الانقساماتُ الطائفيةُ إلى وقودٍ للحروبِ، والصراعاتِ والفسادِ والانهيار.
ولم يكن خطرُ التفكّكِ الاجتماعيِّ عند سعاده ناتجاً فقط عن العصبياتِ الطائفية، بل أيضاً عن «النزعةِ الفردية» التي اعتبرها من أخطرِ الأمراضِ النفسيةِ والاجتماعيةِ التي تُصيبُ الأمة. فالفردُ الذي لا يرى إلا ذاتَهُ ومصلحتَهُ الخاصة، والذي يرفضُ النظامَ والعملَ المشتركَ ويستهزئُ بالمسؤوليةِ العامة، يُساهمُ من حيثُ يدري أو لا يدري في هدمِ المجتمعِ وإضعافِه. ولهذا شدّد سعاده على أنّ خطرَ النزعةِ الفرديةِ قد يكونُ أشدَّ من خطرِ الاحتلالِ الخارجي، لأنّها تضربُ المجتمعَ من الداخلِ وتُفقدُهُ مناعتَهُ ووحدتَه، وبالتالي لا بد من مكافحتها كمكافحة الاحتلال الأجنبي، بل أشد.[3]
غير أنّ الأخطرَ من اللامبالاةِ والصمت، هو ذلك الانحدارُ النفسيُّ والأخلاقيُّ الذي يدفعُ بعضَ أبناءِ الأمةِ إلى التماهي مع عدوِّ وطنِهم، وتبريرِ جرائمِه، بل وتفضيلِه أحياناً على أبناءِ شعبِهم الذين يُقاومون العدوانَ ويدفعونَ دماءَهم دفاعاً عن الأرضِ والكرامةِ والسيادة. وهذه الظاهرةُ ليست مجرّدَ اختلافٍ سياسيٍّ في الرأي، بل تُعبِّرُ عن اهتزازِ الوجدانِ القوميِّ وانفصالِ الإنسانِ عن حقيقةِ انتمائِه ومصلحتِه الحيوية.
فعندما يفقدُ الإنسانُ شعورَهُ بوحدةِ المصيرِ مع مجتمعِه، يصبحُ عُرضةً للدعاياتِ الخارجيةِ وللثقافاتِ اللاقوميةِ وللخطاباتِ التي تُشوِّهُ وعيَهُ وتجعلُهُ يرى في المعتدي نموذجاً يُحتذى، وفي المقاومِ عبئاً أو خطراً. وهنا تتجلّى خطورةُ غيابِ الوجدانِ القومي، لأنّ الأمةَ التي يفقدُ بعضُ أبنائِها القدرةَ على التمييزِ بين عدوِّها والمدافعِ عنها، تصبحُ مهدَّدةً ليس فقط في أرضِها، بل في وعيِها ووجودِها النفسيِّ والأخلاقي.
إنّ من أخطرِ نتائجِ الانحلالِ القوميِّ أن يفقدَ الإنسانُ إحساسَهُ بالكرامةِ الجماعية، وأن ينظرَ إلى التضحياتِ التي تُبذلُ دفاعاً عن الوطنِ نظرةَ استخفافٍ أو عداء، فيما يُظهرُ التعاطفَ مع القوى التي تُمارسُ العدوانَ والقتلَ والتدمير. فالأممُ الحيّةُ قد تختلفُ في السياسةِ والوسائل، لكنّها تجتمعُ فِطريّاً حول حقِّها في الدفاعِ عن نفسِها وصونِ سيادتِها وكرامتِها.
في مقابلِ هذا المرضِ الاجتماعي، طرح سعاده «الوجدانَ القومي» بوصفِه العلاجَ الأخلاقيَّ والنفسيَّ القادرَ على إعادةِ بناءِ الإنسانِ والمجتمع. فالوجدانُ القوميُّ يُولِّدُ في الإنسانِ روحَ المسؤوليةِ الاجتماعية، ويجعلُهُ يشعرُ بأنّ كرامتَهُ مرتبطةٌ بكرامةِ شعبِه، وأنّ حريتَهُ لا تنفصلُ عن حريةِ مجتمعِه، وأنّ مصلحتَهُ الحقيقيةَ تتحقّقُ في ازدهارِ الأمةِ لا في استغلالِها أو التسلّقِ على آلامِها.
ومن هنا، فإنّ الوجدانَ القوميَّ ليس مجرّدَ شعورٍ وجدانيٍّ أو عاطفي، بل هو قوّةٌ أخلاقيةٌ دافعةٌ للعملِ والبذلِ والتضحية. إنّه الدافعُ الذي يجعلُ الإنسانَ مستعدّاً لأن يُعطيَ من وقتِه وجهدِه ومالِه في سبيلِ الخيرِ العام، وأن يُواجهَ الأخطارَ دفاعاً عن مجتمعِه، وأن يتجاوزَ انقساماتِ الدينِ والطائفةِ والمنطقةِ لمصلحةِ قضيةٍ أسمى وأشمل.
إنّ أخطرَ ما نواجهُهُ اليوم ليس فقط العدوانَ الخارجيَّ والحروبَ والدمار، بل أيضاً حالةُ البلادةِ النفسيةِ واللامبالاةِ والانفصالِ عن القضايا القومية، التي تتسلّلُ إلى النفوس، وتجعلُ الإنسانَ عاجزاً عن التفاعلِ مع آلامِ مجتمعِه ومآسيه، أو حتى منحازاً إلى أعدائِه. ففي هذا الزمنِ الذي تُرتكبُ فيه أبشعُ الجرائمِ بحقِّ شعبِنا في لبنان وفلسطين، يصبحُ الصمتُ نوعاً من الانهيارِ الأخلاقي، ويصبحُ التماهي مع المعتدي سقوطاً في هاويةِ الانحلالِ القوميِّ والإنساني.
من هنا، تبدو الحاجةُ ماسّةً إلى إعادةِ إحياءِ القيمِ التي دعا إليها أنطون سعاده: قيمِ العطاء، والمحبةِ القومية، والإخاءِ القومي، والتضامنِ الاجتماعي، والتعاون، والشعورِ بالمسؤوليةِ العامة. فالأممُ لا تنهضُ بالأنانياتِ ولا بالتعصّباتِ العمياء، بل تنهضُ حين يشعرُ أبناؤها أنّهم يُشكّلون وحدةَ حياةٍ ومصير، وأنّ خلاصَهم لا يكونُ إلا معاً.
لقد أراد سعاده أن يزرعَ في نفوسِ أبناءِ أمتِه «العقليةَ الأخلاقيةَ الجديدة» التي تُعيدُ الاعتبارَ للإنسانِ الاجتماعي، للإنسانِ الذي يرى في خيرِ مجتمعِه خيرَهُ الشخصي، وفي نهضةِ أمتِه نهضتَهُ هو. ولذلك، فإنّ العودةَ إلى مفهومِ الوجدانِ القوميِّ اليوم ليست عودةً إلى الماضي، بل محاولةٌ للبحثِ عن خلاصٍ أخلاقيٍّ واجتماعيٍّ في زمنِ الانهيارِ والتفكّك.
ما أحوجَنا اليومَ إلى هذا الوجدانِ الذي يُعيدُ للإنسانِ إنسانيتَه، ويوقظُ فيه الإحساسَ بقضايا شعبِه وآلامِ مجتمعِه، ويجعلُهُ شريكاً في معركةِ البناءِ والنهوض، لا مجرّدَ متفرّجٍ على الخراب. وما أحوجَنا إلى الفكرِ الذي يُعلِّمُ الإنسانَ أنّ قوّتَهُ الحقيقيةَ ليست في أنانيتِه وتعصّبِه، بل في قدرتِه على المحبةِ والعطاءِ والتعاونِ والإيمانِ بوحدةِ المصير. وما أحوجَنا أيضاً إلى الحركةِ القوميةِ الاجتماعيةِ لتكونَ مدرسةً لإيقاظِ الوجدانِ القوميِّ وترسيخِ الأخلاقِ القوميةِ الجديدة، ولتتحمّلَ مسؤولياتِها القوميةَ في هذا الزمنِ المليءِ بالصعابِ والمحن، ولتواصلَ معركةَ الوعيِ والنهوضِ والدفاعِ عن المجتمعِ وكرامتِه ومستقبلِه.
[1] أنطون سعاده، نشوء الأمم، منشورات عمدة الثقافة، طبعة 1976، المقدمة، ص 13-14.
[2] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948-1949، “العداوة أوكسجين القومية الدينية”,
[3] المجلد السادس 1942-1943، “النزعة الفردية في شعبنا”.

