تعود بتكرار مفجع، ذكرى نكبتنا في فلسطين، وها نحن نعود للوقوف وللتساؤل عما حصل، مصدومين من هول المفاجأة، وخائبين من قوتنا وقدرتنا على استرجاع ما هو حق أصلي لنا، حق إنساني حقوقي المبنى والمعنى، حق يعني تنميتنا واستمرار وجودنا في الحياة الأرضية ونحن بكامل مساواتنا مع الآخر كل آخر، وبكامل كرامتنا التي تتجاوز في كل معانيها أي شعار أو أطروحة أيديولوجية، وهي بدقة متناهية، مقدرتنا على إنتاج الشبع والمنعة، بطاقاتنا الإبداعية الذاتية، وقد كان لنا من الزمن ما يكفي، ومن الثروات الأرضية ما يفيض، خصوصاً أن النكبة لم تكن مفاجئة، بل كانت قادمة بوضوح إلى العيان، مروراً بمحطات لا تخفى على أعمى من مؤتمر بال في سويسرا 1897، مروراً بوعد بلفور، وقرارات الهدنة والتقسيم في الأمم المتحدة، كانت نكبة قاسية علينا نحن سكان هذه المنطقة، التي لم يسعفها وعي أو علم أو إنتاج، في تجنب مصيرها الجنائزي الذي نعيشه اليوم بكامل الأسى، تحت قصف طائرات العدو، باستقواء همجي، يعتمد التفوق والاستضعاف، كمتلازمة عملياتية لإفنائنا، وهنا تظهر نتائج تبلدنا التاريخي الذي عشناه لإكثر من 75 سنة، رافعين كل أنواع الشكاوي وطلبات الرأفة ممن لا يسمعوا لا يريد أن يرى، فالحياة بالنسبة له غلاباً، والحق لا يعني الانتصار في المعارك، والقوة هي قوة الإنسان بمعارفه وليس بمعلوماته، وهنا علينا النظر في خطايانا تجاه إنساننا، الذي لم يبنى على فضيلة الوطن والمواطنة والاشتراك في المصالح، ولا على استعادة الحق بل الانتقام له، وهذا ما عشناه خلال 75 عاما، ونقرأ نتائجه اليوم، وسنظل نقرأها طالما لم نصلح من أنفسنا إزاء العصر ومستحقاته الضرورية، فتعالوا لنتلمس بعض من هذه الخطايا الفاحشة.
ـ الحروب الأهلية: كم حرباً أهلية خضنا نحن سكان الشاطئ الشرقي للمتوسط؟. هل نبدأ بالحرب الأهلية اللبنانية، ونمر بالحرب الأهلية بين فتح وحماس في غزة، أم نذهب إلى الحرب الأهلية العراقية العراقية والسورية السورية بكافة تمظهراتها السلطوية والشعبوية؟. والحروب الأهلية كما أثبتت تجاربها هي حروف صفرية المصالح، لا تضر إلا المجتمع والمكان الذي قامت فيه، ومع هذا، وأثناء «قيامنا» بمحاولات استرداد حقنا ببلادنا فلسطين، أقمنا كل أنواع الحروب الأهلية، وشققنا الاجتماعات البشرية عمودياً، بمعنى الثقافة والاقتصاد والاندماج البشري، وقد شارك في هذه الحروب الأشخاص العاديون، أي أهل المكان، دون أي رادع معرفي، ينظر إلى الفعالية الاجتماعية بمنظار التنمية أو الارتقاء، فخرجت تلك البلدان في أسوأ حال ممكن وتابعت حروبها الأهلية دون سلاح «كثير» محافظة على توازن الرعب فيما بينها، هذا التوازن هو نفسه حبل المشنقة الذي سيلتف حول عنق هذا النوع من الإجتماع ويخنقه، تاركاً حقنا في فلسطين مذبوحاً بأيدينا، وهنا لا بد من الإشارة أن أي طرف من أطراف حرب أهلية سوف يكون مربوطاً مع الخارج الذي سيعود ويحصد ثمار تدمير الإجتماع، ومسألة فلسطين برمتها هي مسألة إجتماع بشري يحق له الوجود والإستمرار، وهنا الطامة الكبرى، إذا كان الإجتماع البشري الأم فقد حقة بالوجود والإستمرار بفعل الحرب الأهلية.
ـ الطائفية : لقد بحت الحناجر، وطلع الشعر على ألسنة المحذرين من الطائفية، التي بالحد الأدنى تمنع قيام المجتمع وحدوثه ( وبالتالي الدولة)، فهي سرطان الإجتماع البشري، والعصبيه الطائفية تمنع من إستمرار النوع البشري، بمعناه المتداول دنيوياً في أرجاء العالم، ومع هذا كله، وعلى الرغم من الإرتقاء العالمي في هذه المسألة، إلا أننا مصرون عليها، وعلى تفاصيلها المذهبية، وحتى طرائقها الفرعية، في حملات تكفير معلنة، غير مفهومة، ولا يمكنها التفاهم مع أحد، واليوم نحن غارقون بها، رغم علمنا بأذاها الكارثي، معلنين أنها الطريق الوحيد للنجاح، على الرغم من إنهيار البنى المؤسسة للإجتماع البدائي في ظلها، ومع هذا نكابر ونشحذ سكاكيننا الطائفية منتظرين الرد والإنتقام، ولو على جثة ما نطمح إليه من وطن. فالطائفية صراع دموي دون مصالح أرضية، أي أنها تفرقة صافية دون شوائب، من مشاعر إنسانية أو كرامة.
الحوكمة : منذ النكبة، أختفت السياسة، كعلم وفن إدارة المجتمعات ومصالحها، وتحولت “الدولة” كمفهوم معرفي أو كتكنولوجية، إلى مفهوم السلطة، عبر تحوير مفهوم إحتكار “الدولة” للعنف، إلى إنحياز العنف لجانب السلطة، التي تحولت إلى سلطة مطلقة في عهود الثورات، والشرعيات الثورية، تحولت معها اللادولة، إلى سلطة مطلقة، أي مفسدة مطلقة، وهذا الفارق بين الدولة والسلطة، جعل من إسترداد الحق في فلسطين عبارة عن مناوشات بين السلطة المطلقة والشعب، لتفسد المسألة برمتها، واليوم تعود المنطقة، لتحصد نتائج الطائفية والحروب الأهلية مضافاً إليها المفسدة المطلقة ونتائجها، المتمثلة في الفشل الإنتاجي، الذي يظهر في جميع الوجوه التشغيلية لتكنولوجية الدولة، من الكرامة الإنسانية، إلى إستباحة الحدود.
ما سبق اعلاه، كان على سبيل المثال لا الحصر، فالعطب أعمق بكثير، ولكن ما بدأناه كان عن فلسطين، التي لن تكتمل بلادنا من دونها ، وهذا بعض ما قدمناه لنا ولها، هل سنتستعيدها حسب وعود النخب السياسية والعسكرية و الإعلامية وزعماء الطوائف ، وأمراء الحروب الأهلية؟ هذا غير ممكن قبل الحصول على الشبع والمنعة، وهي عملية إنتاجية إبداعية دنيوية، لا بديل عنها، وهذا ما تمنعه هذه النخب.

