الهوية القومية و«ثقافة» الانعزال

في زمن التحوّلات و«الثورات» المستوردة التي كادت أن تغيّر وجه المنطقة، وفي زمن اللجوء بحثاً عن «هويات» مذهبية وإثنية بديلة، وبين ثنايا هذه المحطات، تتولّد حكايات حول الأوطان المتروكة المهدورة في تشتت فهمها هويتها، ولكن هل تستطيع هذه «الهويات» التي نبتت كالفطر السام أن تتلمس رؤية تمكنها من مواجهة انعزالها؟

سؤال يطرح نفسه بقوة اليوم، وغدًا، ويتجدد دائمًا بصيغ متعددة باعتباره الملمح الأبرز الذي يعبر عن توق الجماعات للخروج من «شرنقة» الهوية القومية الواحدة إلى انعزالية «الهويات» المتواجهة، ولكن العلم يشدد على أن مواجهة الانعزال تحتاج دائمًا إلى ثورة معرفية بعدما أصبح العقل السوري (سورية الطبيعية) نفسه في خطر.

ففي ضوء التحوّلات التاريخية والمفصلية والمعرفية، التي يشهدها مجتمع الهلال السوري الخصيب فأصابت هويته في مقتل، كان يجب أن يبرز دور المثقف كمؤسس للوعي والمعرفة .إن أكثر ما تواجهه الثقافة في مجتمعنا المختلف والمتنوع هو «الثقافة الانعزالية» التي تأخذ الفكر إلى درك الجهل بدلًا من أن تأخذه إلى منارة الوعي، وقد شهدنا الكثير من مراحل هذا التحول السلبي والانهيار الثقافي، ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق وسطوته على منطقتنا، حيث تجلّى هذا الشكل المفزع في «ثقافة» غريبة كليًا تسود في مجتمعنا السوري، خصوصًا أن المثقف السوري يعاني أزمات متعدّدة، وهو مقيد بفكرة التقليد وتقديس الماضي، فلو دخل حيّز المستقبل يدخله بذهنية الانعزال، وهذا جعله عاجزاً عن إنتاج فعل ثقافي مغاير، يتميز بالقوة والصلابة التي تمكنه من مواجهة أي فكر انعزالي ومتطرف .

إن المسألة هنا ليست مشكلة «جينالوجيا» (مصطلح معرفي أطلقه ميشيل فوكو ويعني «علم الأنساب») أو هوية بين ثقافتين مختلفتين بحيث يمكن حلها باعتبارها قضية نسبية، بل هي قضية هوية المجتمع لا الجماعات، والمجتمع هنا كالنبع لا يكتمل من دون الجداول ـ الجماعات.

ولكن كيف تُستدرج عقول الجماعات الغضة إلى مهاوي الانعزال؟ أو تحويل أفراد طبيعيين متمدنين إلى انعزاليين؟

يمكن اختصار الإجابة بكلمة واحدة هي، الجهل الذي يدفع للاستمالة.

التعددية أطروحة فلسفية

إذا كان التنوع الثقافي حقيقة إنسانية لا ينال منها الشك فإن التعامل الخاطئ معه يفضي إلى أخطار جمة، لا سيما إذا حصل هذا التعامل في محيط مرشح للاضطراب وقابل للاستثمار الاستخباري والسياسي دوليًا وإقليميًا ومحليًا ضمن اشتغال معادلة «السلطة/ الثروة/ النفوذ»، كما كانت الحال في العراق بعد انهيار الدولة أو شبه الدولة مع الاحتلال الأميركي وسقوط نظام صدام حسين ربيع 2003 .

السؤال المحرج الذي يطل برأسه: هل نتحدث عن تعددية ثقافية في فضاء تداولي تفاعلي أم عن تعددية أقليات وجماعات معزولة بثقافاتها بعضها عن بعضها الآخر، وقد تمركزت كل أقلية أو جماعة منها على ذاتها، وهويتها المفردة؟

التنوع البشري، الإثني، الثقافي، معطى تاريخي، وظاهرة لصيقة بالوجود الإنساني وطبيعة البشر، فيما التعددية أطروحة فلسفية نظرية، وممارسات وإجراءات سوسيوسياسية ترتكز في مرجعيتها على ذلك المعطى وتلك الظاهرة. والتعددية عامة تنبع من حاجة الفرد والمجتمع، لوعي ماهية انتمائه وهويته، ومن يكون إزاء الانتماءات والهويات الأخرى، وما موقعه ودوره في العالم، تاريخيًا، وفي هذه اللحظة، ومستقبلاً. لكن التعددية لا تعني عزلة الجماعات بعضها عن بعضها الآخر وإقامة كانتونات ذات حدود محروسة بين جماعة وأخرى. حين تُفهم هكذا تكون المقدمة لنشوء سوء فهم مؤسف وسوء تمثيل للآخر وتصويره، ما يفضي إلى احتدام الكراهية والنبذ والإقصاء ثم العنف.

في كتابه «الهوية والعنف وهم المصير الحتمي» 2006 يرى إمارتيا صن، وهو فيلسوف واقتصادي هندي، حاز نوبل الاقتصاد عام 1998 أن أسهل السبل «ليس دومًا أفضل طريقة لبناء مستقبل لأي بلد، وبالتحديد الحاجة إلى أن تكون الأمة كتلة من المواطنين، لا مجموعة من الإثنيات الدينية».

لكن أليس من حقنا أن نحاول قراءة المشهد من زاوية أخرى مؤدّاها أن الدولة ـ الأمة ومنذ تأسيسها بعد تقسيمات سايكس بيكو، بقيت كياناً هلاميًا هشًّا بلا فلسفة بناء دولتي، وبلا رؤية وبرامج سياسية عملانية واضحة وفاعلة يمكنها من ترصين أسس الدولة ـ الأمة؟

في خضم الحراك الخاص بصراع الإثنيات راهنًاً للفوز بحقوقها الثقافية والسياسية والوجودية، تطفو إلى السطح فئات طفيلية نفعية مغامرة تدفع في اتجاه انعزال جماعتها وتخندقها في مواجهة الإثنيات/ الجماعات الأخرى، مختلقة عُقداً متوهّمة أو مستثمرة عُقدًا من الماضي البعيد، مُعيدة إنتاجها بأردية جديدة لتفعل فعلها في الحاضر وتهدد بها السلم الأهلي ومستقبل البلاد.

ولأن قضية التعددية الثقافية وحقوق الأقليات والجماعات لم تُطرح، عندنا، في إطار دستوري وقانوني وحقوقي واضح، ورصين أضحت التعددية الثقافية تعددية جماعات أهلية، غير مدنية، مرشّحة للتصارع العنفي، وقابلة هي ذاتها للانشطار المرة تلو المرة.

ليس معقولًا أن تعني التعددية الثقافية حفاظ كل إثنية على هوية مفردة دون الانفتاح على الثقافات الأخرى،

هذه الإشكالية المستعصية يطلق عليها ويل كيمليكا في كتابه «أوديسا التعددية الثقافية: سبر السياسات الدولية الجديدة في التنوع» مصطلح الإحراج الأخلاقي إذ «واجهت محاولات تدويل نزعة التعددية الثقافية وحقوق الأقليات حقل ألغام حقيقيًا ممتلئًا بخليط مضطرب من التصوّرات والمفاهيم والإحراجات الأخلاقية والنتائج غير المقصودة والتناقضات القانونية والتلاعبات السياسية». ويتساءل كيمليكا، وهو أكاديمي وكاتب كندي وناشط في مجال حقوق الأقليات دوليًا، عمّا إذا كان الهدف «أن نفتح المجال لسياسات التعددية الثقافية الديمقراطية النابضة بالحياة، أم أن الهدف هو كبت واحتواء الحراك العرقي المزعزع للاستقرار؟».

مقاربة سوسيولوجية

يعتبر مفهوم الهوية من المفاهيم صعبة التحديد، بكونها مفهومًا متحركاً وفي حالة بناء دائمة من خلال الوضعيات التي يكون فيها الأفراد والجماعات ونوعية العلاقات الموجودة بينها. انه من المفاهيم التي أخذت حيزًا كبيرًا من تفكير الباحثين وازداد هذا الاهتمام في السنوات الأخيرة مع ظهور عصر الحداثة، إذ غدت الهوية هدفًا رئيسيًا وبات ينظر إليها كأداة يتم التحصن بها في أوضاع التعليمات الاستهدافات، وتبرز الانتماءات القبلية والطائفية والدينية والقومية في هذه الحال تقود إلى الانكفاء على الذات ورفض الاندماج والتفاعل وعدم الإقرار بالاختلاف والتنوع، ومن ثم الدخول في صراعات للحفاظ على الهوية.

الهوية جسر يعبر من خلاله الفرد إلى بيئته الاجتماعية والثقافية، فهي إحساس بالانتماء والتعلق بمجموعة لكن يبدو أن تغير الهويات ينبغي أن يخضع لقانون التوازن بين الثوابت المميزة للهوية والعناصر القابلة للتحول، وإلا كانت الهوية عرضة للخطر والتدمير، تتضمن مكّونات ثابتة وأخرى قابلة للتغيير.

لكن السؤال المطروح راهنًا علينا وعلى دول الهلال الخصيب والعالم العربي كافة: هل أخفق المشروع القومي النهضوي الحديث الذي أطلقه الزعيم أنطون سعاده في المنطقة مطلع القرن العشرين؟ وهل ما زلنا ضحايا «المسألة الشرقية» التي كانت من أسس تعامل الدول العظمى مع الإمبراطورية العثمانيّة، عن طريق التدخّل في شؤونها الداخليّة بحجّة حماية حقوق الأقليّات، والتلاعب بمصائر الأقليّات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟

الدولة المدنية الحديثة

صحيح أن ثمة من دعا الى ضرورة تحرير الهوية من الماضي وربطها بالحداثة وأفقها التنويري والديمقراطي، ولذلك فإن المعنى الوحيد اليوم للهوية هو الحضور في العصر بوصفه نمطاً جديداً أو متبقياً من الوطن.

لا ريب في ان الدولة المدنية الحديثة بمختلف مؤسساتها الوطنية تمتلك القدرة على تفكيك منظومة الولاءات الجزئية والارتقاء بها إلى أفق أوسع من غير أن تلغيها بالقسر والإكراه، فالمجتمع الذي تكاملت شخصيته (هويته) عبر التاريخ بالتطور هو وحدة ثقافية اقتصادية اجتماعية، أما الوحدة السياسية فهي تحصيل حاصل، وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع المتخلف اقتصادياً، أي المجتمع الذي ليست فيه بؤر إنتاج كبيرة جامعة للناس. هو حكماً مجتمع مفكك اجتماعيًا. بمعنى أن ثمة عوامل لتطور المجتمع وتكوين هويته القومية وهي: العامل الثقافي (الثقافة= علوم وثوابت إنتاج) + العامل الاقتصادي (اقتصاد متطور) + العامل الاجتماعي (علاقات اجتماعية متطورة) + العامل السياسي (نظام سياسي متطور).

لا بد للدولة من أن تضع نصب أعينها كل ما يبعث التوازن والاستقرار في المجتمع قاعدةً لتطوير الإنتاج وخلق حالة من النمو والتكامل بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، ما ينعكس على زيادة الإنتاج الاجتماعي وانتعاش المواطنة السليمة لتكون الأساس المتين لصنع المنجز الحضاري وهنا تكون العلاقات الانتاجية جوهر الحركة الاجتماعية المجسدة لهوية الجماعة الوطنية.

غير أن الهُوية تلقي بنا هنا في إشكالية مفهوم العلاقة بين كل من الثقافة والهُوية، وللتمكن من تحليل وتحديد كلٍ منهما والعلاقة والحدود المرسومة بينهما، يجب أن نعرف أين تتبدى ثوابت أزمة الهويّة القومية ومتحّولاتها وأزمة صراعها بين الثنائيات الآتية: الأنا والآخر، الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة…

لذا، فإن تكاثر «الأنا الثقافي» وانعزال أنماطه وتحسس معطياته وانشطار عناصره على خلفية المشهد السياسي المعاصر لم يكن في درس التاريخ الاجتماعي لدول الهلال الخصيب وليد انحراف نزاعاته الإثنية أو نكوص انتماءاته الطائفية ـ مثلما يحاول البعض الإيحاء بذلك -، بقدر ما هو تعبير قاس عن تداعيات الطغيان السياسي والحرمان الاقتصادي والاضطهاد الاجتماعي والكبت النفسي والقمع الفكري، التي فرضت عليه ومورس ضده على مدى أجيال، بحيث ارتد الوضع بالمجتمع إلى حالته الطبيعية / البدائية التي أفاض في رسم مساوئها وتعداد مثالبها فيلسوف السياسة الإنكليزي توماس هوبز، بينما المراد هو تحقيق مطلب وحدة الحياة داخل المجتمع القومي، وإنضاج الشروط الحضارية لبلوغ المجتمع المدني المتطور.

في الأخير يمكن أن نؤكد على ما قاله الباحث محمد عابد الجابري (العولمة والهوية الثقافية عشر أطروحات 15/04/2010) فالهوية الثقافية لا تكتمل ولا تبرز خصوصيتها الحضارية، ولا تغدو قادرة على نشدان العالمية، على الأخذ والعطاء، إلا إذا تجسدت مرجعيتها في كيان مشخص تتطابق فيه ثلاثة عناصر: الوطن والأمة والدولة

 الوطن: بوصفه الأرض أو الجغرافية. الأمة: بوصفها النسب الروحي. والدولة: بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة.

نظام مارديني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *