حينما يصبح الصراع بين النور والعتمة موقفًا فلسفيًّا!

«حيث يوجد الكثير من الضوء يكون الظلّ عميقًا»

غوتة

لو اِفترضنا وجودَ شيءٍ واحدٍ تجيده الفلسفة، لكان هذا الشيء هو قدرة الفلسفة على الإشارة إلى أشياء تبدو اعتياديةً جدًّا، بل وفي غاية الوضوح، لدرجة أنك لا تكاد تعيرها انتباهًا، ثم جعلها فجأةً تبدو غريبةً بطريقة مزعجة. إليك مثالاً على ذلك، أيّهما تُفضّل: أنْ يكون غدُك أجملُ من أمسِك؟ أم العكس؟ نورك أفضل؟ أم عتمتك أقوى؟ أو بين المعنى واللامعنى عند فلسفة العبث؟

تتجاوز فلسفة الضوء بكثير مجرد كونها ظاهرة فيزيائية لتبديد العتمة، لتصبح لغة بصرية وروحية عميقة تخاطب الوجدان الإنساني وتشكّل وعينا المطلق بالمكان. في عالم الهندسة المعمارية والتصميم الداخلي، لا يُنظر إلى النور كعنصر تكميلي أو مجرد أداة وظيفية، بل يُعتبر المادة الخام الأساسية التي تبث الحياة والنبض في الهياكل الخرسانية الصامتة. ولكن ثمة فلاسفة لم يكتبوا من وهج النور، بل من عمق العتمة. أولئك الذين لم يطلبوا من الفكر أن يواسي الإنسان أو يبرر له الوجود، بل أن يفضحه، أن يجرّده من أوهامه، وأن يضعه أمام هشاشته الأولى. من آرثر شوبنهاور الذي رأى في «الإرادة» قوة عمياء تدفع البشر نحو العذاب، إلى فريدريك نيتشه الذي حوّل الألم إلى تمرين على القوة، وإميل سيوران الذي جعل من القنوط شعرًا فلسفيًّا، وفالتر بنجامين الذي قرأ التاريخ كمشهد دائم من الخراب– تتكوّن سلالة فكرية ترى في الكآبة عين البصيرة لا عتمة البصر.

ولكن إذا كانت الرغبة تقود إلى الألم، فهل تصبح الحياة عبئًا لا يغطي تكاليفه؟ يجيب شوبنهاور ضمنيًّا بنعم؛ فالحياة عنده محكومة بإرادة عمياء تدفع الإنسان إلى السعي الدائم، حيث الألم في الرغبة، والملل في الإشباع، ولا خير إيجابيًّا يعادل هذه الدائرة. أما نيتشه فيرفض هذا المعيار من أساسه. فالمشكلة ليست في وجود الشغف، بل في الطريقة التي نقيمه بها.

أما ابن عربي، فقد تكلم عن مفهوم النور والعلم والوجود، وعن وجود عمود والشمس فوقه مباشرة، في هذه الحالة الوجود الوحيد هو للعمود (الواحد)، أما عند تحرك الشمس، فإنّ ذلك يصنع الظل (وهو الآخر)، وذلك لشرح فلسفة وحدة الوجود وكيف تشكَّل الجزئي والكلّي من منبع واحد. لكن السؤال الذي يقدّم في هذا الإطار هو: هل يوجد علاقة بين فلسفة النور والظل مع فلسفة الصوفية لوحدة الوجود؟

لقد تجاوز ابن عربي ثنائية التفاؤل والتشاؤم حين صاغ مفهوم «وحدة الوجود». في نظره، ليس من شرّ مطلق في العالم لأن كلّ ما هو كائن إنما يتجلّى عن الله، حتى الألم والفناء هما جزءٌ من تجلّي الأسماء الإلهية. ومن هنا فإن العدم عنده ليس نقيض الوجود، بل حضنه الأوّل ومجاله الرحِم.

والتشاؤم في جوهره ليس إنكارًا للمعنى، بل مقاومةٌ لتزييفه. هو فنّ رؤية العالم دون أقنعة، والاعتراف بأن النور لا يُدرك إلا بقدر ما يُعايَن الظل. لذلك، يبقى الفلاسفة المتشائمون شهودًا على صدق التجربة الإنسانية في مواجهة اللايقين، وشركاء أبديين في بحث الإنسان عن معنى لا يموت حتى في قلب العدم.

قبل أن يتجسّد التشاؤم في صورة مذهبٍ فلسفي، كان إحساسًا كونيًّا يسكن الأسطورة والمأساة الإغريقية. ففي تراجيديات سوف وكليس ويورب يدس، يظهر الإنسان ككائن محكوم بقدرٍ لا يملك الفكاك منه، وكل محاولة للنجاة لا تزيده إلا سقوطًا أعمق. لم تكن تلك المسرحيات مجرد قصصٍ حزينة، بل مرآةً لوعيٍ مبكر يرى في الوجود خللاً لا يمكن إصلاحه، وفي المعرفة عبئًا لا خلاص منه. من هنا ولدت بذور التشاؤم كوعيٍ فلسفي، حين أدرك الإغريق أن النور لا يكتمل إلا بظلّه.

وهكذا، ليست فلسفة التشاؤم موقفًا نفسيًّا، بل رؤية أنطولوجية تنقّب في أصل العناء وتكشف عبث البحث عن المعنى في عالم بلا ضمانات. إنها الصيغة الأكثر صدقًا لمواجهة الوجود بلا تبرير ولا عزاء. فحين يصرّ الإنسان على الفرح وسط العدم، يكون قد أخفى الحقيقة. أما الفلاسفة الذين كتبوا من الظل، فقد جعلوا من هذا العدم نفسه مادةً للتفكير.

حين يُذكر فيودور ميخايل وفيتش دوستويفسكي، تحضر الأسئلة الكبرى قبل الإجابات الجاهزة، وتحضر المتاهات الروحية قبل الطرق المستقيمة، ويغدو الأدب مختبرًا للذات البشرية في أدقّ حالاتها وأكثرها التباسًا. إنه الكاتب الذي سكن القاع لينظر إلى السماء، وخاض في الجحيم ليبحث عن الخلاص، وصاغ من الألم أعمق ما كُتب عن الإنسان في هشاشته وقوته، في تيهه ويقينه، في قلقه وطمأنينته، ولقد أدرك دوستويفسكي أن الرواية ليست مجرد سردٍ للأحداث، بل هي مختبر فلسفي حيّ، حيث تتصارع الأفكار على لسان الشخصيات، ويتحول الحوار إلى ساحة معركة بين الشك واليقين، بين النور والعتمة. كتب دوستويفسكي عن الإنسان بكل ما يحمله من تناقضات، عن الجحيم الذي نحمله داخلنا، وعن الخلاص الممكن، حتى لو كان مستحيلاً.

وفي هذا السياق نظر كانط إلى ضوء السماء، بأفكاره ونظرياته، وأثبت أن النور يمكنه أن ينبثق حتى في أحلك اللحظات، وأن العقل الإنساني، برغم محدوديته، يمتلك القدرة على صنع العجائب. إنه فيلسوف النور بامتياز، ذلك الرجل الذي عاش حياته بهدوء في مدينته الصغيرة، لكنه رسم للعالم خريطة جديدة لفهم الإنسان والعقل والحياة. ومع ذلك، لم يكن طريقه مفروشًا بالورد، إذ عانت أفكاره من مقاومة شديدة، لا سيما من الكنيسة التي رأت في فلسفته تهديدًا لسلطتها الدينية، فهاجمته بشدة، معتبرةً أن أفكاره تشكك في مبادئ الدين والأخلاق التقليدية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *