الثقافةُ في زمنِ الانهيار هل يقفُ المثقّفُ على الحياد؟

في اللَّحظاتِ العاديّةِ من حياةِ الأُمم، قد تبدو الثَّقافةُ شأنًا نخبويًّا، أقربَ إلى الترفِ الفكريّ منها إلى الضَّرورةِ الوجوديّة. لكن في الأزمنةِ المصيريّة، كتلك التي تمرُّ بها أُمَّتُنا اليوم، تتبدّلُ المعايير: فالثَّقافةُ تتحوّلُ إلى ساحةِ صراع، والمثقّفُ إلى عنصرٍ مسؤول لا يملكُ ترفَ الحياد.

نحنُ أمام مشهدٍ تتفكّكُ فيه الرَّوابط، وتنهارُ فيه البُنى، وتُستنزفُ فيه طاقاتُ المجتمع تحت وطأةِ الحرب والاعتداءات والانقسامات والتبعيّة والهيمنة على مقدّراته. وفي خِضمِّ هذا كلِّه، يبرزُ سؤالٌ جوهريّ: أين يقفُ المثقّف؟ وما هو دورُ الثَّقافةِ في معركةِ البقاء؟

الثقافةُ ليست ترفًا… بل وعيُ الأُمّةِ بذاتها

في الفكرِ القوميّ الاجتماعيّ، لا تُفهمُ الثَّقافةُ بوصفها مجرّدَ إنتاجٍ أدبيّ أو نشاطٍ فكريٍّ معزول، بل هي التَّعبيرُ الحيّ عن وعيِ الأُمّةِ بذاتها ونظرتِها إلى الحياة.

أنطون سعاده، في الصراع الفكري في الأدب السوري، يضعُ الثَّقافةَ في موقعها الحقيقيّ حين يرى أن الأدبَ والثَّقافةَ يجبُ أن تُعالِج «قضايا الفكر والشعور الكبرى» وأن تُقدّم «نظرةً جديدةً إلى الحياة والكون والفن». أي أن الثَّقافةَ ليست انعكاسًا، بل إعادةُ تشكيلٍ للواقع.[1]

ومن هنا، فإن ما يعيشه مجتمعُنا اليوم ليس أزمةً عابرة، بل حربُ وجودٍ بكلِّ أبعادها، تتجلّى في انهيارِ الوعي، وتفكّكِ الأخلاق، وفقدانِ الثقة، وضياعِ الرؤيةِ والاتجاه.

الخنوعُ يبدأُ من الفكر

حين تتزعزعُ الثَّقافة، تتزعزعُ النَّفسيّةُ العامّة. وحين تفقدُ الأُمّةُ ثقتَها بنفسها، تصبحُ مهيّأةً للخضوع والاستسلام.

سعاده عبّر عن هذه الحالة بدقّة حين قال: «أصبحتِ النفسيةُ العامةُ في الأمةِ نفسيةَ خوفٍ وجبنٍ وتهيّبٍ وتهرّبٍ وترجرجٍ في المناقبِ والأخلاق.»[2]

وفي موضعٍ آخر: «ويلٌ للمستسلمين الذين يرفضون الصراع فيرفضون الحرية وينالون العبودية التي يستحقّون.»[3]

هذه ليست مجرّد توصيفات، بل تشخيصٌ لحالةٍ ثقافيّة-نفسيّة تتحوّلُ فيها الهزيمةُ إلى قناعة، والخنوعُ إلى سلوكٍ مبرَّر.

الثقافةُ ساحةُ صراع… لا منطقةَ حياد.

الخطأُ الأكبرُ الذي يقعُ فيه كثيرٌ من المثقّفين هو الاعتقادُ بأن الثَّقافةَ يمكنُ أن تكونَ محايدة. لكن في زمنِ الانهيار، الحيادُ ليس موقفًا بريئًا، بل هو انحيازٌ ضمنيّ للواقعِ القائم.

فالصراعُ الذي نعيشه اليوم ليس فقط عسكريًّا أو سياسيًّا، بل هو صراعٌ وجوديّ داخليّ وخارجيّ: صراعٌ على الهويةِ والوعيِ والمصير. صراعٌ بين ثقافةٍ تُبقي المجتمعَ في حالةِ انحطاطٍ وتبعيّةٍ وخنوع، وأخرى تدفعه نحو الحريةِ، والنهوضِ، والفعلِ والبناء.

ولهذا، فإن الثَّقافةَ مسؤوليّةٌ والتزام: إمّا أن تكونَ أداةَ تحرير، أو أداةَ تخدير – ولا مكانَ بينهما.

المثقّف: شاهدٌ أم فاعل؟

في هذا السياق، لا يمكنُ للمثقّف أن يكتفي بدورِ المراقب. فالثَّقافة، في جوهرها، وظيفةٌ اجتماعيّةٌ ومسؤوليّةٌ قوميّة.

سعاده يربطُ النهضةَ بالفعل لا بالانتظار، ويقول: «لسنا ضعفاءَ إلا إذا أردنا أن نكونَ ضعفاء، إذا سلّمنا بالأمور الـمفعولة وللأحداث التي تفرض علينا، قبلنا بالانحطاط الأخلاقي والـمعنوي والـمادي الذي لا مناص منه ما دمنا مستسلمين.»[4]

من هنا، فإن المثقّف الذي يبرّر الواقع أو يهربُ منه يُساهم في تكريسِ الانحطاط، ولو بالصمت. أمّا المثقّف الحقيقيّ، فهو الذي يكشفُ الخلل، ويواجهُ الزيف، ويُعيدُ بثَّ الثقةِ بالفعل والإرادة.

الثقافةُ كحصنٍ في وجه الغزو

واليوم، وفي ظلّ ما تتعرّض له أُمّتُنا من حربٍ على وجودها، وهيمنةٍ على ثرواتها وقراراتها، ما أحوجَنا إلى ثقافةٍ قوميّةٍ اجتماعيّةٍ أصيلة، تُراهن على إرادةِ الحياة في شعبنا، وعلى النفوسِ المؤمنةِ بقدراتها وبما تختزنه من خيرٍ، وحقٍّ وجمالٍ وإبداع.

ما أحوجَنا إلى هذه الثَّقافة في مواجهةِ غزوٍ ثقافيّ وفكريّ وإعلاميّ هو أخطرُ بكثيرٍ من الغزو العسكري، لأنّه يستهدفُ احتلالَ العقول قبل الأرض، وإحداثَ الهزيمةِ في النفوس قبل الميدان، بحيث يصبح الاستسلام خيارًا مقبولًا، بل مبرّرًا.

وما أحوجنا إليها أيضًا في مواجهة أوضاعنا المتردّية، حيث تتفشّى النزعات الفردية الرعناء، والعصبيات الطائفية، والمصالح الفئوية الضيقة، فتتفكك الروابط، وتضيع المصلحة العامة.

في مواجهة كل ذلك، لا تعود الثقافة مجرد إنتاج فكري، بل تصبح أداة تحصين:

تحصين ضد التفكك وتحصين ضد التبعية وتحصين ضد الهزيمة النفسية

-كيف تُحصّن الثقافة المجتمع؟

الثقافة القومية الاجتماعية لا تكتفي بالتشخيص، بل تمارس دورًا تربويًا تغييريًا. فهي تسهم في تحصين المجتمع عبر:

  • إعادة بناء الثقة بالذات القومية
  • ترسيخ الوعي بالمصلحة العامة بدل المصالح الفردية
  • تعزيز قيم الصدق والعطاء والمسؤولية والواجب القومي
  • مواجهة التفكير الانحطاطي والخنوع
  • تنشئة أجيال قادرة على الفعل لا الاتكال وهذا ما عبّر عنه سعاده بوضوح حين قال: «إن قصد الثقافة أو التربية هو دائمًا تقويم الاعوجاج وتوجيه قوى الحياة نحو الأفضل.»[5]

فالثقافة هنا ليست معرفة فقط، بل فعل تقويم وتوجيه وبناء.

المناقب الجديدة: ثقافة تُعيد بناء الإنسان

لا يمكنُ للثَّقافةِ أن تُؤدّيَ دورَها إن بقيت سطحيّة. المطلوبُ هو ثقافةٌ تُغيِّرُ الانسان نفسه وهذا ما عبّرَ عنه سعاده بمفهوم «المناقب الجديدة»: بناءُ إنسانٍ جديد، مُشِعِّ الوعي، متقدِ العزيمة، طافحٍ بالخير والمناقب؛ إنسانٌ شجاعٌ ومسؤولٌ وواثقٌ بنفسه، مستعدٌّ للتضحية. في المقابل، لا تُنتجُ ثقافةُ الخنوع إلا إنسانًا خائفًا، انتهازيًا، تابعًا، وفاقدَ الإرادة.
الصراعُ، إذًا، ليس فقط على الأرض أو السياسة، بل على نوعِ الإنسانِ الذي نريدُ بناءَه.

في مواجهة الانحلال: لا خيار سوى المواجهة

في ختام هذا المشهد، لا يقدّم سعاده حلولًا وسطية، بل موقفًا حاسمًا:
«لسنا بمتنازلين عن معنى وجودنا لشيء في العالم… إنها حرب مميتة نسير فيها إلى نهايتها.»[6]

إما أن تختار الأمة العزّ، بكل ما يتطلبه من وعي وصراع وتضحية،
أو تنزلق إلى الذلّ، بكل ما يحمله من خنوع وانحلال.

الخلاصة: المثقّفُ في الصفّ الأوّل

إنَّ المعركةَ التي نخوضُها اليوم هي معركةٌ على الوعيِ والنفسيّةِ والثقافة، قبلَ أن تكونَ على الأرض. وفي هذه المعركة، لا مكانَ للحياد، ولا مبرِّرٌ للانكفاءِ أو الصمت. فالكلمةُ اليومَ موقفٌ، والفكرةُ سلاحٌ، والثقافةُ إمّا أن تكونَ حصنًا للأمّة أو معبرًا لانهيارِها.

إنَّ المسؤوليةَ المُلقاةَ على عاتقِ المثقّفين اليوم هي مسؤوليةٌ تاريخيّة: أن يكونوا في طليعةِ النهضة، لا في هامشِها؛ أن يزرعوا الثقةَ حيثُ يسودُ اليأس، وأن يوقظوا الإرادةَ حيثُ يستفحلُ الخنوع، وأن يُعيدوا إلى الثقافةِ دورَها الحقيقيّ كقوّةِ بناء وتحرير. فأمّتُنا لا تحتاجُ إلى مزيدٍ من التبريرِ أو التكيّفِ مع الواقع، بل تحتاجُ إلى ثقافةٍ تُعيدُ إليها إيمانَها بنفسِها، وإلى مثقّفين يؤمنون بأنَّ في هذا الشعب طاقاتٍ عظيمةً قادرةً على الخلقِ والإبداعِ والنهوض.

Top of Form

Bottom of Form

إنّها دعوةٌ إلى كلّ صاحبِ فكرٍ وقلم:

أن يكونَ في صفّ الحياة، لا في صف التراجع؛ أن يكونَ في صفّ العزّ لا الاستسلام، وفي صفّ الأُمّة لا التفكّك. وكما قال سعاده: «إنّ الحياةَ كلّها وقفةُ عزٍّ فقط.»

Top of Form


[1] أنطون سعاده، الآثار الكاملة 1 أدب، الصراع الفكري في الأدب السوري، طريق الأدب السوري، بيروت، 1960، ص 66.

[2] خطاب أول آذار عام 1938، سعاده في أول آذار، 1956، ص 27.

[3] أنطون سعاده، المحاضرات العشر، ص 168.

[4] المرجع ذاته.

[5] أنطون سعاده، الإسلام في رسالتيه، الطبعة الرابعة 1977، ص 73.

[6] سعاده في أول آذار، 1956، ص 94 – 95.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *