في ظروفنا الصعبة وحرب الطغاة الذين ينوون إفناء أمتنا لا بد لنا وأن نستعيد قراءة ملحمة جلجامش، فنكتشف كم تحمل شخصية هذا الملك الحضارية من خصال حميدة عن حقيقة مجتمعنا الناهض؛ إذ على الرغم من بدايات جلجامش السيئة في الحكم، من خلال ظلم شعبه توصل هذا الملك، بعد سلسلة من المصاعب والمعارك إلى خلاصات مهمة واستنتاجات فلسفية راقية وحضارية أهمها: محبة السلام، بناء الصداقة مع إنكيدو الذي كان عدوا له وهذه سمة حضارية مفقودة في عالم اليوم والأهم إدراك الحكمة.
يصل جلجامش إلى حقائق مطلقة وهي المحبة والتواضع والحكمة والسلام والسعي إليه، وأيضا يدرك أن الخلود الحقيقي هو ليس الخلود المادي الذي كان يسعى إليه، بل ما نتركه وراءنا من معرفة وسيرة طيبة.
هذه الملحمة هي الدليل الحي على طبيعة أبناء هذه الأمة الحضارية الراقية وحقيقة ما قاله الزعيم أنطون سعاده: أن في النفس السورية كلّ علم وكلّ ثقافة وكلّ فنّ وهذا يعبر عن إيمان سعاده بأبناء هذه الأمة، وامتلاكهم إبداعات وقدرات تخوّلهم الانتصار رغم كل الظروف.
هذه الملحمة تشكل أمثولة حضارية تستحق التوقف عندها. تفصل آلاف السنين بين ملحمة جلجامش والقصص الحديثة، ومع ذلك لا يزال كل شيء فيها ينبض بالحياة: كبرياء ملك، ولادة صداقة، غضب إلهة، مبارزة ضد وحش سماوي، ثم نبتة تُنتزع من الأعماق قبل أن تختفي. هذا النص الرافدي، الذي حُمل طويلاً عبر الرواية الشفوية قبل أن يُدوَّن على ألواح طينية، يعبر العصور كمرآة تعكس حال الإنسان.
من المعروف أن أسطورة جلجامش، التي يبلغ عمرها 4000 عام، نُقلت أولاً شفوياً، تبدأ الدهشة من قِدم القصة المدونة على شكل نص سومري انتقل طويلاً عبر التقاليد الشفوية، ثم كُتب حوالي عام 2000 قبل الميلاد على اثني عشر لوحًا طينيًا مغطاة بالكتابة المسمارية، عُثر عليها في نينوى، المدينة القديمة في بلاد ما بين النهرين، داخل مكتبة الملك آشوربانيبال، وهي محفوظة اليوم في المتحف البريطاني.
ليست الملحمة مجرد نص قديم، بل قصة نجت من الخراب واللغات المندثرة، ولا تزال تدهش بحداثتها.
حكم جلجامش مدينة أوروك، المدينة القويّة والمزدهرة. وتكمن خصوصيته في مولده: فهو ابن الإلهة ننسون، وهو «ثلثاه إله» و«ثلثه إنسان». لم يستطع أحد تحديد طوله بدقة، إذ يُقال إنه يبلغ 5 أو 6 أو حتى 7 أمتار!
تصوّره القصة كعملاق، وقبل كل شيء طاغية. تختنق أوروك تحت حكمه، فترتفع صلوات الشعب إلى السماء، وتدرك الآلهة الخطر: إذا توقف البشر عن العبادة، فإن النظام الإلهي ينهار. الحل ليس العقاب، بل التوازن. أمام ملك بلا حدود، فلا بد إذن من وضع حدّ له!
لذلك من أجل مواجهة جلجامش، خُلق خصم من الطين: دعي إنكيدو
وُلد إنكيدو من الطين ومن إرادة الآلهة. تُرك في البرية، فعاش طويلاً كحيوان بين الوحوش. ثم يأتي التحوّل عندما تقترب منه امرأة، ابنة الحب. ستة أيام وسبع ليالٍ، ويحدث التغيير: يستقر العقل والذكاء، وتتشكّل الإنسانية. يتّجه إنكيدو نحو أوروك ليتحدّى جلجامش.
يحصل الاصطدام المباشر بينهما معركة تكاد تكون كونية: قوّتان متكافئتان. لكن المفاجأة أن القتال لا يُنتج منتصراً، بل تحالفاً. ومن هذه الصداقة يولد جلجامش آخر: أقل طغياناً، وأكثر ملكيّة. تتغير وتيرة أوروك، فتزدهر الزراعة والعمارة والفنون، وتتنفس المدينة.
ولكن الازدهار لا يدوم ها هي عشتار، ملكة الآلهة، تعرض نفسها على جلجامش الذي يرفض غوايتها.
تجذب الشهرة الأنظار، حتى أنظار الآلهة. بعد انتصاره على همبابا، عملاق غابة الأرز، تعرض عشتار، ملكة الآلهة، نفسها من جديد على جلجامش. يأتي الرفض حاسماً. يشعر جلجامش بالفخ، ويرفض الحب الإلهي كتهديد. فتطلب عشتار الانتقام.
يأتي حينها الثور السماوي، الذي أرسله آنو، إله السماء. مخلوق هائل ومدمر، قادر على تجفيف الفرات «في سبع جرعات» ونشر الموت حول أوروك. يندفع جلجامش وإنكيدو إلى المعركة، وهي من أقدم المواجهات الأسطورية التي حفظتها البشرية. يسقط الثور، ويأتي الفعل الأخير كاستفزاز: تُقتلع ساقه وتُرمى في وجه عشتار. هذه المرة، لا تضحك السماء. ترى الآلهة أن الحدّ قد تم تجاوزه.
تأتي العقوبة بأقسى صورة: يموت إنكيدو بسبب المرض. يشهد جلجامش احتضاره، يصرخ، يبكي، ويقيم له تمثالاً من الذهب واللازورد. ويستقر خوف جديد، بارد: الموت لم يعد فكرة، بل مصير.
ينطلق جلجامش بحثاً عن أوتنا بشتم، الناجي من الطوفان الذي منحته الآلهة الخلود. يأتي الجواب واضحاً: الأبدية للآلهة، والموت للبشر. ومع ذلك هنالك وسيلة أخرى ألا وهي نبتة الشباب، في أعماق البحر، وهي نبتة قادرة على إطالة الحياة.
يغوص جلجامش، يثقل نفسه بالحجارة، ينتزع النبتة من بين الأشواك الحادّة، ويعود منتصراً. يحمل معه مشاريع: المشاركة، الحكم الطويل، ومنح شعبه مستقبلاً ممتداً. لكن عند نبع ماء، يشمّ ثعبان الرائحة، يقترب، يفتح فمه، ويخطف النبتة. يتوارى حلم الخلود بصمت.
يعود جلجامش إلى أوروك. ترتفع الأسوار، وتُبنى المعابد. ويتغيّر معنى الخلود: لم يعد حياة بلا نهاية، بل أثراً يُترك في الحجر، وفي الذاكرة.
ملحمة جلجامش هي مدماك حضاري، صورة نابضة بالحياة لفكرنا الذي بنيت عليه الأمة السورية، أمة الحق والخير والجمال والسلام والعدالة والفكر الحضاري الذي لا يموت بل تستمر النهضة تنبعث من تحت ركام الحروب متجددة لا تموت .

