تكاد تكون المؤسسة الدينية الوحيدة التي ترتكز إلى إرثٍ يحمل عداءً لكل ما هو عربي ومسلم، بل وحتى للأرثوذكس المسيحيين في المشرق العربي. وهي، في هذا السياق، المحرّك الأساسي في ترسيخ الفكر الانعزالي في لبنان: إنها البطريركية المارونية.
منذ عودة البطريركية المارونية إلى الارتباط – المصالحة- بالمؤسسة الكاثوليكية في الفاتيكان، تزامن ذلك مع وصول أولى الحملات الصليبية في العام 1100 م إلى بلاد الشام. حينها، قال المؤرخون، أحدهم المؤرخ الصليبي William of Tyre, إلى أن البطريركية، ومعها مناصروها في مناطق انتشارها، جهّزت قوة عسكرية للقتال إلى جانب جيوش الفرنجة التي اجتاحت بدموية كل الطريق من شمال لبنان الحالي إلى القدس. وهذا جزء من سردية تاريخية لا كتجنٍّ، رددها مؤرخين اخرين ك: يوحنا فيتري أسقف عكا في القرن ال 13، وابن الأثير، والبطريرك الماروني اسطفان الدويهي، وغيرهم الكثيرين.
ومنذ ذلك الحين، استمرّت العلاقة بينها وبين الفاتيكان حتى يومنا هذا، فجميعنا يعرف ان الفاتيكان كان وراء 7 حملات صليبية حتى القرن السادس عشر، مرورًا بمحطات اعتُبرت فيها البطريركية، ومعها جزء من أتباعها، بمثابة «حصان طروادة» في المشرق العربي. ومع انتقال مركز الثقل السياسي للكاثوليكية في كل أوروبا من الفاتيكان إلى فرنسا، تبعت البطريركية هذا التحوّل، حتى وصل الأمر إلى أن فرضت فرنسا على الدولة العثمانية التعامل مع الموارنة والبطريركية كما لو أنهم «مواطنون فرنسيون» في المشرق العربي.
لم يكن التعاون الماروني–الكاثوليكي، ومن بعده الارتباط بفرنسا، مجرد تواصل ديني أو سياسي عابر، بل تجاوز ذلك ليأخذ طابعًا ثقافيًا واجتماعيًا وفكريًا عميقًا أسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي للموارنة. فبعد أن كانوا جزءًا من نسيج المشرق العربي، بدأ يتبلور لديهم تصورٌ لهويةٍ مغايرة: خصوصية دينية مميزة، وثقافة عنصرية تتعالى عن محيطها وترى نفسها في الغرب، أكثر منه في المشرق العربي الإسلامي وبالأخص إلى النموذج الفرنسي، مقرونةً بولاءٍ مزدوج لأرضهم ولفرنسا الحامية« التي صُوِّرت كمرجعٍ، ونورٍ، وملاذ، وحضارة.
ومع مرور الزمن، تطوّر هذا المسار ليُفضي إلى ترسيخ فكرة «الخصوصية المارونية الفينيقية»، بوصفها إطارًا ثقافيًا وهوياتيًا يسعى إلى تعريف الذات خارج السياق العربي الأوسع، ويبحث عن وطنٍ متخيَّلٍ يتماهى مع هذا التصور الخاص.
من هنا تماهت البطريركية المارونية، في هذا التصوير، مع المشروع الإمبريالي الفرنسي، فالتقت الإرادتان عند فكرة اقتطاع جزءٍ من سورية الكبرى لتأسيس الكيان الذي طالما نادت به المارونية الدينية والإقطاعية: «دولة لبنان الكبير». كيانٌ يُراد له أن يُبنى على ‘تفوّق’ الموارنة وهيمنتهم، فيما يُدفع سواهم إلى هامشٍ أدنى في سلّم البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وقد تجلّى هذا التلاقي بوضوح عندما توجّه البطريرك الماروني إلياس الحويّك إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، مطالبًا بإقامة لبنان ضمن حدودٍ موسّعة. فأصرّ على ضم «الأقضية الأربعة» (بعلبك، البقاع، راشيا، وحاصبيا) إلى جانب المدن الساحلية الكبرى (بيروت، طرابلس، صيدا، وصور) إلى جبل لبنان، في مسعى لتأمين مقوّمات اقتصادية وزراعية تكفل للدولة الوليدة الاكتفاء والاستمرارية—لا بدافع الاندماج مع الآخرين، بل انطلاقًا من حسابات بناء كيانٍ قابلٍ للحياة وفق رؤيته الخاصة: كيان لهم فيه وعليه الهيمنة الكاملة!
بناءً على ما سبق، لا يُقدَّم تأسيس النزعة الانعزالية المارونية، كما تجلّت على أيدي بيار الجميّل وغيره من القوى، بوصفه وليد لحظة عابرة أو مجرد انبهار بالحركات الفاشية في أوروبا، بل كتعبيرٍ سياسي وثقافي واجتماعي عن حالةٍ جمعية يُقال إنها كانت متجذّرة في أوساطٍ مارونية منذ قرون طويلة.
ومع بلوغ النظام السياسي الذي كان للموارنة فيه موقعٌ محوري مرحلةَ أزمةٍ في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، تزامن ذلك مع بروز قوى وأحزاب وشخصيات رفعت شعارات توسيع الحقوق وإعادة التوازن بين مكوّنات المجتمع. في هذا السياق، كان اندلاع «حرب السنتين» وما تلاها كمنعطفٍ حاد أعاد خلط الأوراق، وكرّس مسارًا حافظ على خصوصية الموارنة السياسية منها، وتميّز موقعهم ضمن البنية السياسية، وهو أثرٌ امتدّت تداعياته إلى يومنا هذا
إن إصرار المارونية السياسية، ومن ورائها البطريركية المارونية بوصفها المحرّك الفعلي، على الارتهان للغرب والانفتاح على علاقات مع الكيان، بدعمٍ من محيطٍ إقليمي، يُطرَح كدليلٍ على امتداد نهجٍ تاريخي لا يرى أصحابه فيه قطيعةً مع الماضي. فهؤلاء، وفق هذا الطرح، لا يبدون مختلفين عمّن اصطفّوا يومًا إلى جانب الفرنجة في بدايات القرن الثاني عشر في صراعات المشرق، ولا يظهر في الأفق ما يوحي بتحوّلٍ جوهري في هذا المسار أو في البنية الذهنية التي تحكمه.
وانطلاقًا من ذلك، يُفسَّر ما صدر عن البطريرك الماروني بشارة الراعي من مواقف معادية تجاه المقاومة وبيئتها وقادتها، لا بوصفه زلّة لسان أو ردّ فعل عابر، بل كتعبيرٍ منسجم مع المارونية السياسية عبر أطيافها المختلفة؛ من أقصى اليمين الفاشي ، المتمثّل بحزبي الكتائب والقوات اللبنانية، إلى ما يُوصف بجناحٍ أقل حدّة، كتيار جبران باسيل ومن يلتفّ حوله، فجميعهم يرون بقتلى حرب السنتين «شهداء» وان من تعامل مع الاحتلال في الجنوب هم ليسوا عملاء!
في المحصّلة النهائية، فالبطريركية المارونية، كفاعلٍ ظلّ—منذ بدايات القرن الثاني عشر—يراهن على الخارج ويُعيد إنتاج هذا الارتهان بصيغٍ مختلفة عبر الزمن. وفي فلكها تدور قوى سياسية مارونية انعزالية، لا سيما ذات التوجّه اليميني الفاشي الانعزالي والمعادي لكل شيء عربي ومسلم، تخوض ما تصفه بـ«نضالها» دفاعًا عن «حقوق الموارنة» تحت مسمى « حقوق المسيحيين» بوصفهم جماعة ذات خصوصية مميّزة. وتتراوح الطروحات، في هذا الإطار، بين الإبقاء على لبنان ضمن محورٍ غربي مرتهن صهيونيا، أو الدفع نحو صيغٍ فيدرالية بين مكوّناته، وصولًا إلى طرح أشكالٍ من الاستقلال الذاتي تستحضر ما عُرف تاريخيًا بـ«لبنان الصغير»! مواقف لم تتغير، على الاقل، منذ نيسان ١٩٧٤ !
———————
تنويه:
هذا المقال لا يستهدف الموارنة كأفراد أو كمواطنين، بل يوجّه نقده حصراً إلى «المارونية السياسية» بوصفها بنيةً مؤسساتية تتجلى في البطريركية وأذرعها السياسية
وفي المقابل، قدّمت البيئة المارونية شخصيات تنويرية بارزة مثل جبران خليل جبران وأمين الريحاني ومارون عبود، إضافة إلى مناضلين ساهموا في قضايا الأمة ببساطة: النقد موجّه إلى المؤسسات والنهج السياسي، لا إلى الناس.
احمد أبو علي

