بلادنا في زمن التحولات بين كسر التوازن وغياب المشروع

ما يجري في بلادنا ويالمشرق العربي ليس مفاجئاً، ما هو مفاجئ هو إصرارنا على التعامل معه كأنه استثناء عابر، لا نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإنكار السياسي والعجز الاستراتيجي.

حدث «طوفان الأقصى» لم يأتِ من فراغ، ولم يكن «صدمة غير متوقعة» كما يحلو للبعض تصويره، بل هو نتيجة مباشرة لعقود من إدارة الصراع بلا أفق: تسويات وُلدت ميتة، حصار مستمر، وواقع سياسي بُني على فرضية خاطئة مفادها أن القضية الفلسطينية يمكن تهميشها أو تجاوزها.

ما حدث لم يكسر فقط توازن الردع، بل كسر أيضاً الوهم الأكبر: وهم أن المنطقة يمكن أن تستقر بينما جذور الصراع قائمة.

 المفارقة المضحكة المبكية، أنه بدل أن يشكل طوفان الأقصى منصة انطلاق لتحرير الأمة بأسرها لو توفر لها المشروع القومي للمواجهة الحقيقية تحول الى فرصة  اقتنصها الكيان الصهيوني لإطلاق مشروعه التاريخي نحو تحقيق «إسرائيل الكبرى»، تماماً كما حدث مع انطلاقة ما سمي «الربيع العربي» الذي تحول هو الأخر من مشروع تغيير للأنظمة البالية وتصويب مساراتها الى أكبر عملية استلاب تاريخية حرفت ثورات الشعوب عن أهدافها ووضعتها في أحضان القوى الدولية ومخططاتها في السيطرة والهيمنة والتقسيم وفرض الإرادة على شعوب فاقدة للهوية القومية.

ومع ذلك، فإن الأخطر ليس الحدث نفسه، بل طريقة قراءته، فبدلاً من أن يكون لحظة مراجعة، تحوّل سريعاً إلى مادة للاستهلاك السياسي، كلّ يفسّره بما يناسب روايته المسبقة.

في المقابل، يدفع الثمن دائماً المكان الأضعف: غزة أولاً، ثم لبنان ثانياً، وسوريا -الشام ثالثاً، الى كل الساحات القابلة للاشتعال. دمار هائل، كلفة بشرية مفتوحة، ومستقبل يُعاد تشكيله بالقوة، بينما العالم ينقسم مجدداً، لا على أساس القيم، بل على أساس المصالح.

لكن المشكلة لا تختصر في فلسطين، رغم مركزيتها. المشكلة أعمق: نحن أمام هلال خصيب مشلّع، وإقليم يعيش حالة تفكك مزمنة، منذ أن تحوّلت انتفاضات ما يسمى الربيع العربي من فرصة للتغيير إلى بوابة للفوضى.

في سوريا- الشام، لم تعد الدولة كما كانت، وفي لبنان لم تكن الدولة قادرة أصلاً، لاعتبارات لها علاقة بالتركيبة السياسية الهشة القائمة على توازنات طائفية ومذهبية زئبقية، وفي أكثر من مكان أصبحت السيادة شعاراًً نظرياً لا واقعاً فعلياً.

وكذلك العراق والأردن وكل كيانات الأمة غدت في مهب المصالح الإقليمية ولعبة التوازنات الإقليمية والدولية من بيروت الى طهران الى الخليج العربي الى واشنطن وبكين وموسكو، حتى الحليف والظهير الإقليمي لحركات المقاومة أي إيران يبدو أن له حساباته الخاصة اما لعدم القدرة أو بدافع المصالح، والمستقبل سيبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود وهذا طبيعي في مسارات الأمم والشعوب.

ورغم كل ما يجري اليوم، لا يزال الخطاب السائد يتأرجح بين تبسيط لمجرى الأحداث وبين نظريات شاملة واسقاطات مباشرة، أي إما كل شيء «مؤامرة كبرى» أو كل شيء «فشل داخلي» معزول.

والحقيقة، كما هي دائماً، أكثر تعقيداً: تداخل بين الداخل والخارج، بين الأخطاء الذاتية والاستغلال الخارجي، بين ما فُرض علينا وما ساهمنا نحن في صنعه.

في هذا الفراغ، تتقدم قوى إقليمية أكثر تنظيماً ووضوحاً: إيران، تركيا، والكيان الصهيوني (إسرائيل). لكل منها مشروع، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف بيننا وبين كل طرف من أطرافها. 

في المقابل، يغيب المشروع القومي النهضوي على مستوى هلالنا السوري الخصيب وكذلك تغيب الرؤية العربية الواقعية والعاقلة التي ترى في العالم العربي قوة سياسية – اقتصادية هائلة إذا ما تم توظيفها في خدمة قضايا العالم العربي لكنا حققنا إنجازات كبيرة في مجالات التنمية والتقدم العلمي وعلى كل المستويات، وبالمقابل نرى أن سياسات رد الفعل، والتكيّف المؤقت، وإدارة الأزمات تطفو على السطح   بدل حلّها.

أما دولياً، فالصورة ليست أفضل حالاً. النظام العالمي الذي كان يبدو مستقراً لم يعد كذلك، لكن البديل لم يولد بعد. الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض كل ما تريد، والصين لا تريد المواجهة، وروسيا تعود بالقوة العسكرية لا بالنموذج السياسي. النتيجة؟  تحولات كبيرة لم تركن بعد على نظام عالمي جديد مستقر.

في ظل هذا المشهد، وأمام هذا الواقع القائم، بما يحمله من تهديدات وجودية تصبح فكرة «الحياد» ضرباً من ضروب التخاذل وفقدان الوزن والتخلي عن المبادرة والفعل في لحظة تاريخية مفصلية ستؤسس لمستقبل قد يقاس زمنياً بالقرون وسيكون فيها مصير ومستقبل بلادنا في مهب الريح.

الأمر نفسه ينطبق على المشاريع السياسية في الداخل، وخصوصاً المشاريع القومية التي تبدو اليوم كأنها تعيش خارج الزمن. ليست المشكلة في الفكرة بحد ذاتها، بل في عجزها عن التجدد، وعن مخاطبة واقع تغيّر جذرياً: اقتصاد مختلف، مجتمع مختلف، وأجيال لا ترى العالم بالمنظار القديم.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: ماذا نريد؟

ليس كشعار، بل كخطة. ليس كخطاب، بل كمشروع قابل للتطبيق. من دون إجابة جدية، سنبقى ندور في الحلقة نفسها:

أزمات تتكرر، صراعات تتوسع، وتحليلات تبرّر بدل أن تغيّر.

الحقيقة القاسية هي أن المشرق العربي لا يعاني فقط من صراعات خارجية، بل من غياب رؤية داخلية. لا من نقص في الأحداث، بل من نقص في المعنى.

وما لم يتغيّر ذلك، سيبقى كل «كسر توازن» مجرد محطة جديدة في طريق استنزاف طويل… لا يبدو أن أحداً مستعجلاً لإنهائه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *