إعدام السياسة

عندما تفسر السياسة داخل التجمع البشري بأنها فن الممكن، نكون قد الغينا الفاعل والمفعول فيه من هذه الفعالية التي يفترض أن تكون اجتماعية (إذا لم تكن مجتمعية) بطبعها، وفن الممكن المنزوع من إبداعيته، يتحول بطبيعة الأشياء، إلى سلطة وتسلط، طالما كان الممكن هو هذا الأمر بالذات، ومعها يتحول الإجماع البشري إلى رعاعيه تقديسية في خدمة هذا الممكن، دون الالتفات إلى التنمية الإستراتيجي، كموضوع للحوكمة، والتنمية موضوع خلافي غير قابل لتخوين المختلفين لإنه يحمل في طياته اصطدام المبدعين وأفكارهم الإبداعية علانية ليصار إلى اعتماد أحسنها نسبياً، بقوة المعايرة العقلية، وقوة إرادة الإنسان/ المواطن المتسترة، والتخوين هنا بمثابة إخفاء الفساد في الأفعال وفي النوايا، حيث تسيطر السرانية عليها، بما يعني انتظار الكارثة التي لن يكون مسؤول عنها أي كان، إلا الإنسان/المواطن الذي سوف يدفع ثمنها حتى من كرامته، (وهي قيمة فوق دستورية)، إنقاذاً لبقاءه الفيزيائي، وهنا يتحول الممكن إلى إجباري، مهما كان انتهاكاً، عبر مقولة احتكار العنف، في لحظة تحوله إلى غلبة وشوكة، بناء على معايير ساحة معركة، من التزوير اعتبارها ساحة مجتمع، الذي يقتضي التسالم كسبب أول للاجتماع، ولعل الكيانات السورية التي أصيبت بداء التعارك، بُعيد استقالاتها الشكلية، خير مثال على فشل التنمية الضرورية للتحضر في جميع أجزائها، فالسياسة كبند أول ألغيت منذ نشوب الناصرية على الأقل، وتكرست الغلبة بدلا من تراكم التربية الديموقراطية المعمول بها في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية على الأقل، بسبب اضطرار الأمم للتسالم، من أجل الوحدة والاندماج والإنتاج، ولكن ما وصلت إليه هذه الكيانات عبارة عن زعماء مقدسين ينتهون إلى الإعدام أو الهروب، ليصبحوا موضوعاً بديلا عن التنمية في دائرة «الفعل السياسي»، في إجراء مؤقت (كوعد)، ودائم ككمارسة فعلية على أرض الواقع، ليتحول موضوع السياسة إلى فعل إنتقامي لمن يعارض التقديس ( فوق المحاسبة) وما يليه من هلع السلطة من الانتقال التسالمي للسلطة في إطار دولة، بمعنى ارتقاء السياسة تحضرياً، كي تستطيع بصفتها الحوكمية، إدارة مستجدات العصر ( الكهرباء مثالاً)، وإلا سوف تتوقف الآلية الاجتماعية أو المجتمعية، أمام شح مواردها وكثرة حاجاتها (مصر مثالاً)، أو تتوقف حتى تنتهي حروب ذوي الشوكة التي لا تنهي عادة إلا بخوار القوة الاجتماعية وانهيارها ( الصومال ومن ثم السودان مثالين)، أما البحث خارج السياسة بصفتها مجرد فن للممكنات، فهذا عبث وتهديم للمنجز المعرفي كما في كل الحروب العالم ثالثية الداخلي منها والخارجي، حيث تكمن الهزيمة داخل النصر، وهذه من أصعب الهزائم، وهذا ما يريده أي عدو أو أي صاحب مصلحة، في استخدام قلة أو انعدام التحضر وسيلة لزيادة أرباحه وانتصاراته، لتتحول السياسة بهذه المواصفات إلى حبل مشنقة للمجتمع ( بلاد وبشر) يتم نسجه بأيدي المتسلطين وذوي الغلبة، مقابل آيات الشكر والعرفان من بشر قاصرين عن التحضر.

السياسة ليست فن الممكن لوحده، بل فن الممكن هو أحد منتجات السياسة المتحضرة، يتم استخدامه في سبيل مصالح عليا، متفقٌ عليها، تفتح المجال لتوسع وتعدد الممكنات، في جدل اجتماعي أو مجتمعي علني، تضع العلانية المسؤولية على أكتاف أصحابها المتنطحين لها، لذلك تبدو السياسة تنافسية وليست عدوانية، فالجميع عليهم العودة إلى المصالح المٌتفق عليها، وإنجازها أو عدمه هو مالمعيار المرحلي لقياس الصلاحية، وليس لقياس الإخلاص والخيانة، حيث ينفع هذا المعيار مع «السياسي» المقدس، الذي ما أن يسقط حتى تظهر كل عيوبه، مما يعيدنا إلى ضرورة السرانية السياسية وخطورتها، ليس على التحضر فقط، بل على البقاء.

السياسي المقدس، هو من يقوم بإعدام السياسة، لإن السياسة انتهت بعد حضوره فهو كل السياسة، وكل العلم، وكل الحذاقة، وكل الممكن، ولا لزوم لغيره ما دام قد توفر، في قلب حقيقي للأدوار بينه وبين الشعب، فالشعب هنا يريد أن لا يتحضر، ولا يريد يشبع ولا يريد أن يشعر بالأمان، منتظراً الحل الذي لن يأتي طالما كان الشعب معطلاً عن السياسة بمفهومها التفاعلي، ولسوف يعتاد على هذا التعطل، بل سيدخله هذا الشعب في صلب تربيته الاجتماعية، ليعيد إنتاج تخلفه وهزائمه.

هناك زمن طويل للغاية لإعادة السياسة إلى المجتمع، مع أنه ويا للأسف، جميع طرائق وطرق هذه العودة مفتوحة ومتاحة ومعلن عنها، كتكنولوجيات يمكن استخدامها في الواقع المعاش، كالبرلمانات، والأحزاب، والنقابات، والتيارات الفكرية والفنية، وكل هذا ممنوع على الشعوب، والمتاح الوحيد هو ممارسة التخلف المفضي إلى التهمج، والإدارة من الخارج، كإستعمار معدوم التكلفة الاستثمارية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *