نظّمت عمدة الدراسات والتخطيط في الحزب السوري القومي الاجتماعي لقاءً أكاديميًا بعنوان «السيادة في زمن الحرب ـ استشراف مستقبل الدولة»، بحضور رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الدكتور ربيع بنات، وبمشاركة نخبة من الباحثين، والأكاديميين، والخبراء في القانون، والسياسة، والاجتماع، والإعلام، والاقتصاد.
عقد اللقاء في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، حيث لم تعد السيادة تُطرح بوصفها مفهومًا قانونيًا مجردًا أو شعارًا سياسيًا، بل بوصفها سؤالًا عمليًا يتصل بقدرة الدولة على الحماية، وصون القرار الوطني، ومواجهة الضغوط الخارجية، وإدارة العلاقة بين الداخل اللبناني والتحوّلات الإقليمية والدولية التي تطال المنطقة في ظل الحرب.
الدكتور ربيع بنات
استهلّ رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي اللقاء الأكاديمي بالتأكيد على النقاش الوطني الراهن المتمحور حول ثلاث قضايا مترابطة: «التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، ومشروعية المقاومة، وتداعيات الحرب على لبنان». واعتبر أنّ «الدعوة إلى التفاوض المباشر لا تقف عند حدود وقف إطلاق النار، أو تحرير الأرض والأسرى، وإعادة الإعمار، بل تحمل خطر الانزلاق نحو مسار سياسي أوسع، يمسّ بثوابت السيادة، وبحق لبنان في مقاومة الاحتلال والعدوان».
وشدّد على أنّ «أي مسار تفاوضي يفتح النقاش حول نزع سلاح المقاومة، قد يؤدي إلى نقل الصراع من مواجهة لبنانية ـــ إسرائيلية إلى أزمة داخلية لبنانية، بما يهدّد السلم الأهلي والوحدة الوطنية». كما رأى أنّ «المعركة الأساسية اليوم هي معركة تثبيت مشروعية المقاومة، باعتبارها حاجة وطنية وليست عبئًا، في ظل عجز الدبلوماسية وغياب البدائل العملية القادرة على حماية الأرض والناس والسيادة».
وأكد بنات أنّ الحرب، رغم كلفتها الإنسانية، والاقتصادية، والاجتماعية الكبيرة، لا تلغي ضرورة الدفاع عن الوطن، لأنّ كلفة ترك لبنان مكشوفًا أمام العدوان والاحتلال، تبقى أشد خطورة. ودعا في ختام كلمته إلى حراك وطني، وقطاعي واسع، دفاعًا عن حق الشعب في المقاومة، ورفضًا لأي تفاوض مباشر لا يضمن حقوق لبنان وسيادته.
- محور السيادة بين المفهوم النظري والقدرة الواقعية
الدكتور حسّان قشمر
تناول مفهوم السيادة بين الضغوط الداخلية والتحدّيات الخارجية، معتبرًا أن السيادة لم تعد تقوم فقط على العناصر التقليدية للدولة: الأرض، والشعب، والسلطة، والقرار المستقل، بل باتت مرتبطة بقدرة الدولة الفعلية على ضبط مجالها الداخلي، وحماية قرارها الوطني من التدخّلات الخارجية.
الدكتور حسام مطر
عالج الحرب من زاوية استراتيجية وجيوسياسية، واضعًا لبنان ضمن المشهد الإقليمي الأوسع. ورأى أن الحرب لا تُفهم كحدث عسكري منفصل، بل كجزء من صراع على النفوذ والتوازنات في المنطقة.
- محور الحرب واختبار شرعية الدولة
الدكتور عمر نشّابه
انطلق في مداخلته عن الحرب واختبار شرعية الدولة، من القانون الدولي الذي لا يطلب من الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو العدوان أن تستسلم، بل يعترف بحقها في الدفاع عن نفسها وعن أرضها وسيادتها. وميّز بين وقف إطلاق النار بوصفه ضرورة لحماية المدنيين، وبين الاستسلام الذي يعني القبول بشروط المعتدي، أو الاعتراف بنتائج العدوان.وشدّد نشابه، على أنّ التفاوض من دون عناصر قوّة قد يتحوّل إلى تنازل، بينما القوّة من دون أفق سياسي تبقى غير مكتملة.
محور أزمة السيادة بين الداخل والخارج
الدكتور علي فضل الله
تناول في عرضه، أزمة السيادة في لبنان، مشيرًا إلى الفجوة بين السيادة كما تُعلن في النصوص وبين السيادة كما تُمارس في الواقع. واعتبر أنّ السيادة اللبنانية تعاني من خلل مزدوج: خارجي ناتج عن الاعتداءات والتدخّلات، وداخلي ناتج عن ضعف الدولة وتعدّد مراكز القرار. وخلص إلى أن استعادة السيادة لا تكون فقط برفض الاعتداء الخارجي، بل أيضًا بإعادة بناء الداخل: المؤسسات، والدستور، والقرار الموحّد، والثقة الوطنية الجامعة.
ركّز في مداخلته، على حدود قدرة الدولة في مواجهة تداعيات الحرب، معتبرًا أنّ السيادة لا تُقاس فقط بما تنص عليه الدساتير والقوانين، بل بقدرة الدولة الفعلية على حماية الأرض والسكان، ومنع الخارج من فرض شروطه. طارحًا سؤالًا محوريًا حول موقع المقاومة في معادلة السيادة: هل تمثل خروجًا على الدولة؟ أم أنّها نشأت في سياق عجز الدولة عن أداء وظيفة الحماية؟
الدكتور علي خليفة
قدّم في الإطار نفسه، قراءة تناولت الحرب وإعادة تشكيل مفهوم السيادة، معتبرًا أنّ السيادة لم تعد مفهومًا ثابتًا أو مطلقًا، بل أصبحت مفهومًا متحوّلًا يتأثر بطبيعة الحروب المعاصرة ودعا إلى الانتقال من السيادة الشكلية إلى السيادة الوظيفية، وبناء استراتيجية دفاع وطني، وتحصين الاقتصاد والمؤسّسات.
- محور السيادة والعقد الاجتماعي
الدكتورة رنا شكر
ربطت في مداخلتها حول سيادة الدولة والعقد الاجتماعي، بين أزمة السيادة وأزمة الثقة بين الدولة والمواطنين وخلصت إلى أنّ استعادة السيادة تتطلّب إعادة بناء العقد الاجتماعي على قاعدة الشراكة، والثقة، والحوار الوطني، ودمج الوظائف الأمنية، وفي طليعتها المقاومة، ضمن استراتيجية دفاع وطنية جامعة.
- محور الكلفة الديموغرافية والاجتماعية للحرب
الدكتور شوقي عطية
في الجلسة الثانية، تناول عطية مؤشّرات النزوح ومفاعيل الحرب البشرية والمادّية، مقدّمًا قراءة ديموغرافية للحرب على لبنان بين عامي 2024 و2026. واعتبر أنّ الحرب «الإسرائيلية» الحاليّة على لبنان تحوّلت إلى جولة ثانية بعد توسّعها من اعتداءات متزايدة إلى حرب كاملة الأوصاف. وقد أدّت الجولتان، وما بينهما، إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وصلت إلى ما يزيد على 10 آلاف شهيد، بينهم 493 طفلًا، وما يزيد على 21 ألف جريح. واعتبر أنّ الآثار الأكثر خطورة تمثلت، في تجريف قرى حدودية بشكل تام، ما أدّى إلى طمس معالمها كليًا، وهو ما يمثّل إبادة المناطق الحضرية Urbicide.
الدكتور عبد الله محيي الدين
تطرّق إلى أنّ لبنان يشهد أزمة مركّبة تتداخل فيها الحرب الصهيونية مع الانهيار الاقتصادي والانقسام السياسي حول موقع لبنان في عملية إعادة تشكّل المنطقة والعالم، بما يجعل النزوح ظاهرة بنيوية لا مجرد أزمة إنسانية عابرة. ديم
وخلص إلى ضرورة وضع خطة طويلة الأمد لعملية التعافي، تعيد بناء الاقتصاد المحلّي ضمن تصوّر تنموي، يعيد الحياة إلى المناطق التي دمرها العدو، بما يحبط اهدافه ويعيد السكان إلى قراهم وبلداتهم.
الدكتورة سحر حمّود
تناولت انعكاسات الحرب على البنية الاجتماعية، معتبرة أنّ الحرب جاءت فوق أزمة اجتماعية لبنانية متراكمة منذ عام 2019 وخلصت إلى أنّ حماية التماسك الاجتماعي جزء من حماية السيادة، لأنّ الدولة التي تعجز عن حماية مجتمعها ووحدته الداخلية تفقد جزءًا أساسيًا من معناها السيادي.
- محور الحرب والاقتصاد والموارد
تناول الحرب من زاوية اقتصادية واستراتيجية، مركّزًا على التداعيات المحتملة للحرب الأميركية ـــ الإيرانية على سوق الطاقة، والتضخّم العالمي، والتحويلات المالية، وسلاسل الإمداد، والاستقرار المالي. واعتبر أنّ الحرب لم تعد حدثًا إقليميًا محدودًا، بل أزمة عالمية محتملة بسبب مركزية الخليج ومضيق هرمز في الاقتصاد الدولي.
ركّز في مداخلته، على الحرب والموارد الطبيعية، معتبرًا أنّ الصراع مع العدو لا يمكن فصله عن الصراع على الثروات المائية والغازية والنفطية. وأشار إلى أنّ غياب سياسة سيادية واضحة في إدارة الموارد، إضافة إلى الأطماع الإسرائيلية، يعرّض الثروة الوطنية اللبنانية للخطر، ويمنع الدولة من تحويل مواردها الطبيعية إلى رافعة للسيادة والتنمية.
- محور الفاعلون الدوليون وإضعاف سيادة الدول
الدكتوررودولف القارح
تناول في مداخلته الحرب والفاعلون الدوليون، واضعًا هذه الظواهر والتسميات ولاعبيها الجدد، من منظمات “المجتمع المدني” وصولًا إلى الشركات المتعدّدة الجنسيات، مرورًا بتكتلات فاقدة للشرعية ومُعلنة ذاتيًا كـ G7، في إطارها التاريخي، وتحديدًا في سياق عملية الالتفاف على منظّمة الأمم المتّحدة، ومبادئها التأسيسية، بعد انهيار نظام القطبين، وتنصيب الولايات المتّحدة نفسها وصيًا على العالم.
واعتبر أنّ هذه العملية الالتفافية هدفت إلى إرساء عملية تزوير واسعة، تصل إلى تجريم حركات المقاومة ونعتها بالإرهاب. فيما كان الغرب الأطلسي، العائد إلى شياطينه الكولونيالية، يفبرك منظمات إرهابية ذات صفة وظيفية. وأظهر صلات القربى بين مفهوم “الليبنسراوم” النازي، أي “الفضاء الحيوي” للعرق الأبيض في الأيديولوجيا الهتلرية، وما يُسمّى “إسرائيل الكبرى” في الأيديولوجيا الصهيونية، مبيّنًا مدى خطورتها على لبنان الوطن وعلى الإقليم.
- محور الإعلام والحرب: صراع الروايات والمعنى
تناولت التغطية التلفزيونية اللبنانية للحرب، معتبرة أنّ الإعلام لا يكتفي بنقل الحدث، بل يساهم في إنتاج معناه الاجتماعي والسياسي. وركّزت على أن الحرب تُخاض أيضًا في ميدان الصورة، واللغة والرواية، وأنّ اختلاف القنوات اللبنانية في تغطية الحدث يعكس اختلافًا في التأطير السياسي والنفسي للحرب
تناول دور وسائل الإعلام ومنصّات التواصل في الحروب الحديثة، معتبرًا أنّ الحرب أصبحت أيضًا حرب روايات وصور ومعلومات. وركّز على خطورة التضليل الرقمي، والتزييف العميق، والجيوش الإلكترونية، وإعادة نشر تهديدات العدو بما قد يحوّل الإعلام من شاهد على الجريمة، إلى ناقل لرسائل الحرب النفسية. كما شدّد على أهمية التحقق من المعلومات، وحماية الصحافيين، وتعزيز الإعلام الرسمي كمصدر وطني موثوق.
الدكتور جاد ملكي
عرض عميد التربية، الرفيق الدكتور ملكي، نتائج أوّلية لدراسة ميدانية أعدّها مؤخّرًا، شملت مختلف المكوّنات والمناطق اللبنانية. وقد أظهرت نتائج الاستبيان أنّ أكثرية ساحقة من اللبنانيين، تتجاوز 85% تؤيّد عبارة “إسرائيل عدوّي”، في مقابل 61% يؤيّدون عبارة “الولايات المتّحدة عدوّي”، و35% فقط يؤيّدون عبارة “إيران عدوّي”.
وتناولت الدراسة أيضًا، أنماط استخدام وسائل الإعلام خلال الحرب الحالية، مبيّنةً أنّ الغالبية الكبرى من اللبنانيين تتابع تطوّرات الحرب عبر الهواتف المحمولة، بنسبة تقارب 90%، في حين تراجع الاعتماد على التلفزيون كمصدر أساسي للأخبار في الحروب والأزمات. كما أشارت النتائج إلى أنّ 61% من اللبنانيين يتابعون أخبار الحرب عبر منصّات التواصل الاجتماعي، مع حضور بارز لتطبيق “واتساب”، الذي يستخدمه نحو 85% من الجمهور لمتابعة الأخبار وتداولها.



