عيدُ العمل… عيدُ الشَّعبِ كُلِّهِ

في هذا الأوّلِ من أيّار، لا نقفُ أمامَ مناسبةٍ عابرة، بل أمامَ معنىً عميقٍ يتجاوز »عيدَ العمّال» بالمعنى الضيّق، ليُصبحَ عيدَ كلِّ من يُنتجُ ويُبدعُ ويُشيِّدُ حياةَ المجتمع. إنّه عيدُ المنتجين جميعًا: عمّالًا وفلّاحين، أصحابَ الحِرَفِ والفنون، مُنتجي الفكرِ والعِلم، وكلَّ من يُساهِمُ في صُنعِ الحياةِ وتقدُّمِها.

لقد عبّر أنطون سعاده عن هذا المعنى بوضوحٍ حين توجّه بندائِه الشهير إلى »منتجي ثروةِ الأُمّة وبنّائي مجدها»، فلم يحصرِ الخطابَ بشريحةٍ اجتماعيةٍ دونَ أُخرى، بل وسّعه ليشملَ كلَّ طاقاتِ المجتمع، لأنّ نظرته تقومُ على أنّ المجتمعَ وحدةُ حياةٍ ووحدةُ مصالحَ ووحدةُ مصير.

من هنا، فإنّ عيدَ العمل ليس عيدَ فئة، بل عيدُ الأُمّة في قدرتها على الإنتاج، وفي طاقتها الخلّاقة التي تُنشئُ العُمران وتُحقّقُ التقدّم.

لكن هذا العيد، في واقعِنا اليوم، يأتي مُثقَلًا بالألمِ والأحزان. ففي وقتٍ كان يُفترضُ أن يكونَ مناسبةً للاعتزازِ بالعملِ والإنتاج، نجدُ أنفسنا أمامَ وطنٍ مُثخنٍ بالحروبِ المدمِّرة، واقتصاداتٍ مُنهكة، وشعبٍ يتعرّضُ للقتلِ والإبادة ويُعاني من الفقرِ والبطالةِ والنزوحِ والهجرةِ القسرية. وفي خِضمِّ هذا الواقع، تبرزُ قيمةُ العمل لا كحقٍّ اقتصاديٍّ فحسب، بل كقضيةِ كرامةٍ ووجود.

إنّ أوّلَ ما يجبُ التذكيرُ به في هذه المناسبة، هو أنّ العملَ في فكرِ سعاده ليس مجرّدَ وسيلةٍ للعيش، بل هو حقٌّ أساسيٌّ من حقوقِ الإنسانِ والمجتمع. فالإنسانُ المُنتِج هو أساسُ الحياةِ القومية، والعملُ هو التعبيرُ العمليّ عن انتمائِه ومشاركتِه في بناءِ مجتمعه. ولذلك، فإنّ إنصافَ العمل لا يعني فقط تحسينَ الأجورِ أو شروطِ العمل، بل يعني، قبلَ كلِّ شيء، تمكينَ المجتمعِ من السيطرةِ على مواردِه، وضمانَ حقِّ الإنتاجِ لكلِّ أفراده.

فالإنتاج، في هذا المنظور، ليس تفصيلًا اقتصاديًّا، بل هو الأساسُ الذي تقومُ عليه نهضةُ الأُمّة. وبدونِه لا يمكنُ التفكيرُ برفاهِ الشعبِ أو استقرارِه. وكما شدّد سعاده، فإنّ العدلَ الحقيقيّ هو الذي «يجعلُ مجموعَ الشعبِ في حالةِ خيرٍ وبحبوحة، فلا يكونُ أناسٌ في السماءِ وأناسٌ في الجحيم.»[1] ومن هنا، فإنّ القوميةَ الاجتماعية تعني توزيعَ الغنى لا توزيعَ الفقر[2]، وتعني أن يكونَ للمنتجين نصيبُهم العادلُ من ثمرةِ إنتاجهم، في إطارِ اقتصادٍ يقومُ على العملِ والإنتاج لا على الاحتكارِ والرَّيع[3].

وفي هذا السياق، يُحذِّرُ سعاده من خطورةِ استغلالِ العمّال وقضاياهم، سواءٌ من قِبَلِ الإقطاعِ والرأسمالِ المتحالفَين، أو من قِبَلِ القوى الدولية التي تسعى إلى استعمارٍ جديدٍ ونهبِ ما تملكه الأُمّة من ثرواتٍ وموارد، من نفطٍ وغازٍ وسواهما. فصراعُنا، في جوهره، ليس بسيطًا أو أُحاديَّ الوجه، بل هو صراعٌ مع »تنينٍ متعدِّدِ الرؤوس«: تنينٍ مُزدوجٍ يجمعُ بين فسادِ الداخلِ وإراداتِ الخارج، بين قوى الذلّ التي تنخرُ في بنيةِ المجتمع، ومشاريعِ الهيمنةِ الأجنبية التي تعملُ على تفتيتِ الأُمّة والسيطرةِ على مقدّراتها.[4] والمشكلة، بالتالي، ليست فقط في الظلمِ الداخلي، بل أيضًا في التبعيةِ الخارجية التي تحرمُ الأُمّة من سيادتِها الاقتصادية، وتُحوِّلُ طاقاتِ شعبِنا إلى أدواتٍ في خدمةِ الإراداتِ الأجنبية.

ويزدادُ هذا الواقعُ قسوةً مع استمرارِ الاحتلالِ الصهيوني في التوسّعِ والسيطرةِ على أجزاءٍ من وطنِنا، من فلسطين وجنوبِ لبنان إلى هضبةِ الجولان ومرتفعاتِ جبلِ الشيخ وحوران، وما يُرافقُ ذلك من تدميرٍ للمنازل وتهجيرٍ للأهالي ومنعِهم من العودةِ إلى أرضِهم، في انتهاكٍ صارخٍ لحقِّ الإنسان في الحياةِ والعملِ والاستقرار.

وفي ظلّ ما تعيشُه بلادُنا من حروبٍ واعتداءات، لا يمكنُ أن يمرَّ هذا اليوم من دونِ توجيهِ تحيّةٍ خاصّةٍ إلى أولئك الذين يُواصلون الإنتاج رغم كلِّ الظروف: إلى أصحاب الحرف والعمّالِ والفلاحين، إلى المعلّمينَ والأطبّاء، إلى كلِّ من يصمدُ في موقعِه ليحافظَ على نبضِ الحياة.

كما لا بدّ من تحيّةِ المقاومين الأبطال الذين يُدافعون عن الأرضِ والكرامة، لأنّ الدفاعَ عن الوطن هو، في جوهره، دفاعٌ عن حقِّ العملِ والإنتاجِ والحياة. وتحيّةُ إجلالٍ أيضًا للصحفيين والإعلاميين الذين استهدفهم العدو وارتقوا شهداء، لأنّهم حملوا الكلمةَ سلاحًا، وكشفوا الحقيقةَ في وجهِ القتلِ والتدمير، فكانوا من أشرفِ المنتجين في معركةِ الوعي. ولا يمكنُ أن نغفلَ تحيّةَ المسعفين وأفرادِ الجسمِ الطبي الذين استهدفهم العدو أيضًا، فارتقوا شهداء وهم يُؤدّون رسالتَهم الإنسانيةَ النبيلة في إنقاذِ الحياة، ليؤكّدوا أنّ العمل، في أسمى معانيه، هو تضحيةٌ وعطاءٌ حتى الشهادة.

كما نُوجِّهُ تحيّةَ اعتزازٍ وصمودٍ إلى أهلِنا الذين بقوا ثابتين في بلداتِهم في الجنوب، متمسّكين بأرضِهم رغم الأخطار، وإلى المزارعين الذين ما زالوا يعملون في حقولِهم تحت التهديد، يحرسون الأرضَ بالعرق كما يحرسُها المقاومون بالدم. وتحيّةُ وفاءٍ إلى أهلِنا الذين نزحوا قسرًا من بيوتِهم، وتحمّلوا ألوانَ القهرِ والإذلال، صابرين على أملِ العودة، مؤمنين بأنّ هذا الألم لن يضيع، وأنّ العودة آتيةٌ بفعلِ صمودِهم وجهادِ أبنائهم ورجالهم الأبطال.

إنّ المعركةَ اليوم ليست فقط عسكريةً أو سياسية، بل هي معركةٌ على معنى العملِ نفسِه ودورِه في حياةِ المجتمع: هل يكونُ العملُ خاضعًا للتبعيةِ والاستغلال، أم يتحوّلُ إلى قوّةِ تحرّرٍ وبناء؟ هل يبقى العاملُ أسيرَ شروطٍ مفروضةٍ عليه، أم يُصبحُ شريكًا حقيقيًّا في إنتاجِ الثروةِ وصياغةِ المستقبل؟

لقد أراد سعاده أن يكونَ العملُ طريقًا إلى نهضةٍ شاملة، تقومُ على الإنتاج لا الرَّيع، وعلى العدالة لا الاستغلال، وعلى السيادة لا التبعية. أراده فعلَ حياة، لا مجرّدَ وسيلةِ عيش؛ وقوّةَ تغيير، لا أداةَ خضوع. ومن هنا، فإنّ دعوتَه في عيدِ العمل لا تزالُ حيّة، مفتوحة، موجّهةً إلى كلِّ من يُؤمن بأنّ كرامةَ الإنسان من كرامةِ عملِه، وأنّ حريةَ الأُمّة من حريةِ إنتاجِها.

في هذا الأوّلِ من أيّار، نُؤكّدُ على إيمانِنا بأنّ العمل هو نبضُ الحياةِ في الأُمّة، وأنّ المنتجين هم صانعو مجدِها الحقيقيّون.

وفي هذا اليوم، نستعيدُ ثقتَنا بأنّ الشعوبَ التي تعملُ وتُنتج، وتصمدُ وتُقاوم، لا يمكنُ أن تُهزم، مهما اشتدّت عليها المحن.

هو يومٌ للتأكيدِ أنّ الحياةَ التي نُريدها ليست حياةَ الذلّ والاتكال والتبعية، بل حياةَ العزّ والكرامة والإنتاج.

هو يومٌ لنُجدّدَ العهدَ بأن نبقى أوفياءَ لقضيةِ العمل، قضيةِ الإنسان، قضيةِ الأُمّة.

عيدُ العمل هو عيدُ الشَّعبِ كُلِّهِ… عيدُ الإرادةِ التي لا تنكسر، وعيدُ الحياةِ حين تكونُ مُنتجة، حرّة، وكريمة.


[1] أنطون سعاده، المحاضرات العشر، بيروت، طبعة 1976، ص 152.

[2][2] أنطون سعادة، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948 – 1949، نداء الزعيم إلى منتجي ثروة الأمة وبنّائي مجدها

[3] راجع المبدأ الإصلاحي الرابع في المحاضرات العشر.

[4] أنطون سعادة، الأعمال الكاملة، المجلد الثامن 1948 – 1949، خطاب الزعيم في البقاع الأوسط، 23/04/1948.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *