لم يصدّق دونالد ترامب أن مواطناً أميركيا يستطيع أن يتمرّد عليه، ويقف بوجه وحشيته وأطماعه المتنامية، خاصة إذا كان هذا المواطن ألأميركي برتبة بابا روما على رأس الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، ممثلا المسيح على الأرض!
هاهو البابا وخلال عودته من جولة على بلدان أفريقيّة يكشف أمام الصحفيين على طائرة العودة، أنه يحمل معه صورة لصبي لبناني شيعي قُتل في الحرب الأخيرة جرّاء قصف الطائرات والصواريخ الإسرائيلية على لبنان، وكانت هذه الصورة قد التُقطت لهذا الصبي وهو يرفع لافتة ترحّب بالبابا خلال زيارته إلى لبنان في العام الماضي.
قد لا تعني صورة الصبي الشيعي الشهيد في عهدة البابا شيئا، بالنسبة لرجال الظلم والظلام السياسي من أمثال ترامب وأتباعه في كل أنحاء العالم، بيد أنها تعني الكثير في سجل الإيمان والدعوة إلى السلام ونبذ العنف والحروب التي تزيد من الكوارث والآلام والعذابات البشرية. هذا هو جوهر المسيحية وكل الرسالات الدينية الأخرى
مواقف البابا لم تعجب ترامب يوما والمعروف منذ البداية أن ترامب يكنّ للبابا، أطنانا من الكراهية والعداء لأنه لم يخضع له صَاغرا كالعبد الذليل و وصل به الأمر إلى نعت البابا أنّه سيّء للغاية، كما ادّعى أنه متساهل جدا مع الجريمة وكارثيّ في مجال السياسة الخارجيّة وذلك بعد أن علّق البابا على حرب إيران ووجوب إنهائها سلميا وهذا يناقض خطط ترامب الحربيّة الإجراميّة .
جريمة البابا في نظر ترامب أنّه يدعو إلى السلام والرحمة والرأفة بالبشر المعذبين في العالم، ضحايا الحروب العبثيّة والتهجير، خاصة الذين يضطرون إلى مغادرة بلادهم والهجرة إلى بلاد أخرى؛ حيث يلقون معاملة سيّئة وصفها البابا ليون : بأنها معاملة أسوأ من معاملة الحيوانات الأليفة.
كان البابا قد وجّه انتقاده مباشرة إلى الرئيس ترامب بعد أن أطلق سياسته المتشدّدة التي تتعلق بالهجرة وقمع المهاجرين من أميركا اللاتينيّة بوحشيّة غير مسبوقة. شدّد البابا على وجوب معاملة المهاجرين معاملة إنسانية قائلا إنهم بشر وعلينا أن نعامل البشر بطريقة إنسانية وألا نعاملهم بشكل أسوأ مما تعامل الحيوانات، وطلب أيضا من الدول الثريّة أن تمدّ يد المساعدة إلى الدول الفقيرة والتي تجتاحها الحروب حتى يتوقف الناس عن مغادرتها هربا من الموت، والقتل، والفقر، والجوع.
ما يزعج ترامب كثيرا إلى حدّ إثارة غضبه وجنونه، هو موقف الكنيسة ككلّ من الصراعات العالمية والحروب التي تفتك بالبشر في كل مكان من العالم، هذا يناقض مشاريعه ومخططاته الجهنمية. يسعى ترامب دائما للحصول على بركة رجال الدّين كي يضع هالة من القداسة على شخصه وقراراته، هالة روحية تواكب تصرفاته وقراراته المتطرّفة المجرمة. إذ على ما يبدو أنه يجهل تماما حقيقة ودور الكنيسة الكاثوليكية وتوجّهاتها. ليس البابا ليون أول من جاهر بهذه المواقف، فهنالك مواقف سابقة عديدة لا نستطيع أن نذكرها كلّها الآن، بل نكتفي بذكر موقف مشرّف للأسقف الجنوب أفريقي الراحل (ديزموند توتو) الذي فاز بجائزة نوبل للسلام سنة 1984؛ حين انتقد دولة اسرائيل ووصف معاملتها للفلسطينيين بوسائل نظام (الأبرتايد Apartheidالعنصري) الذي كان سائدا في جنوب افريقيا خلال فترة اضطهاد البيض للسود والفصل العنصري؛ حينها قال الأسقف (ديزموند توتو):
«إذا اخترت الحياد في زمن الطغيان واللاعدالة، تكون قد اخترت الانحياز إلى جانب الطاغية.»
هذه هي مواقف الكنيسة الحقيقية والتي يسعى الإعلام المأجور إلى طمسها وعدم منحها الفرصة للظهور وتشكيل علامة فارقة ومؤثّرة في الرأي العام العالمي.
ثمة مقولة في عالم السياسة أن انتقاد نظام ما من قبل نظام آخر مناهض له، ينتهي به الأمر إلى اعتماد النظام المنتَقِد نهج النظام المعادي بتفاصيله، بنت أميركا سياساتها على انتقاد الظلم والقمع السياسي في الإتحاد السوفيتي السابق وذلك لعقود طويلة، إلى أن تحولت هي نفسها إلى انتهاج السياسة القمعيّة بطريقة أسوأ بكثير من ارتكابات الإتحاد السوفيتي السابق، هناك جملة تنسب إلى ستالين يقول فيها:
«موت إنسان واحد هو تراجيديا، أما موت مليون إنسان فهو مجرد رقم إحصائي!«
هذه هي الذهنية بحذافيرها التي يسير عليها ترامب ومكتبه السياسي الآن، ليس البشر سوى أرقام على شاشات الكومبيوتر ومجرّد إحصاءات، إنها سياسة الدمار وجدت لتقويض أسس العالم، تستعمل فيها وحشية الدكتاتورية وأساليبها الأكثر انحطاطا.
في رواية «خريف البطريرك» للكاتب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز المنشورة سنة 1975 يصف ماركيز البطريرك على أساس أنّه ليس رجلا محدّدا، بل إنه يشبه في تصرّفاته، عصّارة كل الدكتاتوريات في أميركا اللاتينيّة، هذا الوصف هو ما أعطى الكتاب شهرة كبيرة ليصبح كتابا صالحا لكلّ العصور، حين تنبع الديكتاتورية من كل حدب وصوب وتتصدّع الدساتير وتفنى القوانين، تتحوّل السلطة إلى سلطة بدون حدود ملتهمة الواقع والحقيقة.
كانت أميركا اللاتينيّة في القرن الماضي موسومة بالدكتاتوريات والولايات المتحدة الأميركية تعتبر بلد الحرية والعدالة، ولكن انقلبت الآية
ما فعله ترامب هو هذا النوع من التسلّط واستعادة وقحة لفجور حكم الطاغية من التاريخ وكأنّ غابرييل غارسيا ماركيز قد تنبأ بقدوم رئيس يحمل هذه الصفات إلى العالم ليعيث فيه فسادا!
لم يكتف ترامب بصفة الشمولية، بل حوّل نفسه الى ملك من لدن الله، ملك نصف إله هو إبن الشمس تحديدا على غرار الملك الفرنسي لويس الرابع عشر الذي لقّب نفسه (الملك الشمس) Le Roi Soleil وقد ابتكر فريق المسرح المعتمد في قصر (فرساي) Versailles، حيلة للملك لويس الرابع عشر تمكنه من الهبوط على مرجوحة من السقف الى خشبة المسرح خلال عرض تمثيلي وهو يرتدي ثيابا مذهّبة برّاقة ويضع على وجهه قناعا يحاكي قرص الشمس المشعّ، ديوس إكس ماكينة:ومعناها أن الله يحضر بواسطة آلة، لم يصل ترامب بعد في عبقريته إلى فنون المسرح القديم الكلاسيكي، لكنّه برع في السيناريوهات الهوليوديّة التجاريّة و أفلام ومسلسلات التشويق والاغتيالات كما لم يسبق لكلينت إيستوود وميل غيبسون وبروس ويليس وتوم كروز. وإذا كان قادرا على التحليق بواسطة آلة خارقة لسرعة الصوت في كل أجواء العالم فهو حكما غير مدرك أنه ذات يوم و لا ريب قريب سيٌحمل على ( آلة حدباء) مثل كل الناس، والآلة الحدباء بحسب لسان العرب لمن لا يعرف ليست سوى » التابوت» !
أنطوان يزبك

