«انتفاضة باريس» اتساع الفجوة بين الشعوب والعواصم

ماذا يعني المشهدٍ التضامني الذي قدمته فرنسا للخارطة الدولية؟،حيث غصّت ساحات العاصمة الفرنسية باريس وكبرى المدن في فرنسا بآلاف المتظاهرين الذين خرجوا بصوتٍ واحد للتنديد بالعدوان المستمر على لبنان وإيران، هذا الحراك الشعبي لم يكن مجرد صرخة عابرة، بل جاء كإدانة صريحة للخرق الممنهج لاتفاقات وقف إطلاق النار، ورفضاً قاطعاً للاعتداءات «الإسرائيلية – الأمريكية» التي تستهدف سيادة دول المنطقة واستقرارها.

في الميدان الفرنسي لم يتوقف المتظاهرون عند حدود التعاطف الإنساني، بل تجاوزوه إلى تبني مواقف سياسية حاسمة، فقد رفعت الحشود شعارات تدعم المقاومة في لبنان في وجه المجازر المرتكبة بحق المدنيين، مطالبةً بوقفٍ فوري لآلة الحرب، وبالتوازي، كان لافتاً الحضور القوي للعنوان على الجمهورية الإيرانية في قلب باريس، حيث أكد المتظاهرون من فرنسيين وأبناء الجالية الإيرانية على حق «الجمهورية الإسلامية» في الدفاع عن نفسها، رافضين محاولات الغرب جرّها إلى صراعات استنزافية تخدم الأجندات التوسعية في المنطقة.

هذه المظاهرات والشعارات التي رفعت قصدت منها وضع الحكومة الفرنسية في قفص الاتهام، حيث السهام لم تُوجه فقط نحو الخارج، بل أصابت «قصر الإليزيه» في الصميم. فقد أجمعت القوى المتظاهرة على إدانة ما وصفته بـ «التواطؤ الفرنسي» مع السياسات «الإسرائيلية».

 عكس هذا الحراك شرخاً عميقاً بين النخبة الحاكمة في فرنسا، التي تتماهى مع التوجهات الأمريكية، وبين الشارع الذي بات يدرك خطورة هذه السياسات على السلم العالمي، إذ أن انتقاد الحشود لسياسة «الكيل بمكيالين» يضع الحكومة الفرنسية أمام استحقاق أخلاقي وسياسي يحرجها أمام الرأي العام الداخلي والدولي.

مشهد باريس يضعنا أمام مقارنة قاسية مع واقع الشارع العربي، فبينما تتحرك الشعوب في قلب أوروبا للضغط على حكوماتها الداعمة للعدوان [فرنسا والمانيا] يبدو المشهد العربي غارقاً في صمتٍ مريب، وكأنها «نومة أهل الكهف».

هذه المفارقة تطرح تساؤلات جوهرية حول ميزان القوى القادم، فبينما تتواطأ أنظمة عربية وتصمت شعوبها، يبرز وعي شعبي عالمي جديد يبني تحالفات تتجاوز الحدود والهويات، تقف في خندق واحد مع حقوق الشعوب في المقاومة والسيادة.

إن ما جرى في شوارع فرنسا والمانيا هو رسالة واضحة بأن سياسة «الأمر الواقع» التي تحاول واشنطن وتل أبيب فرضها في المنطقة بدأت تفقد غطاءها الشعبي حتى في عقر دار حلفائها المفترضين، وهي دعوة لإعادة قراءة المشهد، ليس من زاوية موازين القوى العسكرية فحسب، بل من منظور «معركة الوعي» التي بدأت تميل كفتها لصالح الشعوب الرافضة للهيمنة.

ويبقى السؤال أمام هذا الوعي المتنامي في الشوارع الأوروبية، اذا كان الحراك الشعبي الغربي يمثل بداية النهاية لعصر الهيمنة والغطرسة الأمريكية؟

إن خروج الآلاف في قلب العواصم التي تُعد حليفة تاريخياً لواشنطن، رفضاً لإملاءاتها العسكرية ودعماً لحق الشعوب في المقاومة، يشير إلى أن «السردية الأمريكية» لم تعد صالحة للاستهلاك الشعبي العالمي، هذا الوعي العابر للحدود قد يكون المسمار الأول في نعش الأحادية القطبية، فالهيمنة لا تسقط فقط بالصواريخ والحروب، بل تبدأ بالانهيار عندما تفقد شرعيتها الأخلاقية والسياسية في وعي الشعوب، بما فيها تلك التي تعيش في قلب الغرب، فهل بات الفجر قريبا؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *