لبنان من دولةٍ على حافة الانهيار إلى «محميةٍ مُقنَّعة»

إذا تعاملت القوى السياسية اللبنانية مع التسوية المرتقبة بوصفها فرصة لتقاسم المغانم لا لبناء الدولة، فإن لبنان لن يخرج من أزمته… بل سيغيّر شكلها فقط. سنكون أمام انتقالٍ خطير: من فوضى الانهيار إلى نظام مُنظَّم من الارتهان، حيث تبدو الدولة قائمة، لكنها في الحقيقة مفرَّغة من قرارها.

هذا ليس سيناريو نظرياً، بل مسارٌ له سوابق في تاريخ لبنان الحديث، يتكرّر اليوم بأدوات أكثر نعومة وخطورة، تحت عنوان «الإنقاذ» والاستقرار».

أولاً: من الفساد التقليدي إلى «الفساد المُعولم»

في المرحلة القادمة، لن نرى بالضرورة نفس أشكال النهب الفجّ التي طبعت العقود الماضية. بل سنشهد تطوراً أخطر: تحويل الفساد إلى نظام مؤسساتي عابر للحدود.

القوى السياسية لن تسرق الدولة مباشرة، بل ستتموضع كوكلاء حصريين» للشركات والدول التي ستدخل على خط إعادة الإعمار. المرفأ، الكهرباء، الاتصالات، الغاز… كلها ستتحول إلى ساحات شراكات مشروطة، حيث القرار الفعلي ليس في بيروت، بل في العواصم التي تموّل وتُشرف.

وهنا تكمن المفارقة القاتلة:

لن يُقال إن هناك فساداً، لأن كل شيء سيتم بعقود رسمية وشفافة ظاهرياً، لكن جوهر السيادة الاقتصادية سيكون قد انتقل إلى الخارج. الدولة تملك الأصول، نعم، لكنها لا تملك القرار.

ثانياً: الأمن كوظيفة… لا كسيادة

في ظل «المحمية المقنّعة»، سيتحوّل مفهوم الأمن من كونه تعبيراً عن إرادة وطنية إلى مجرد وظيفة تقنية لضبط الاستقرار.

والجيش اللبناني سيُدعَّم، نعم، وسيُموَّل، لكن هذا الدعم لن يكون بريئاً. سيأتي مشروطاً بدور محدد:

حماية الحدود، منع الانفجار، ضبط الداخل… ولكن ضمن سقفٍ مرسوم خارجياً.

بمعنى أوضح:

سيُسمح للمؤسسة العسكرية بأن تكون قوية… لكن ليس إلى حد اتخاذ قرار مستقل.

سيُطلب منها أن تكون ضامناً للاتفاق، لا صانعاً للسيادة.

وهكذا، يتحقق أخطر أشكال التفريغ: دولة تملك جيشاً، لكن لا تملك قرار الحرب والسلم.

ثالثاً: ديمقراطية مُفصّلة على قياس التسوية

في السياسة المشهد لن يكون أقل تعقيداً. والانتخابات ستستمر والبرلمان سيُنتخب، والحكومات ستتشكل… لكن ضمن إطار صارم لإنتاج طبقة سياسية «صالحة للتعامل الدولي». وستهندس القوانين الانتخابية بعناية، ليس فقط لضبط التوازنات الداخلية، بل لضمان عدم وصول قوى «مشاغبة» تهدد التسوية سنكون أمام ديمقراطية مُدارة، حيث التنافس موجود، لكن ضمن حدود لا تمسّ جوهر الاتفاق.

وهنا يتحول السياسي اللبناني من ممثلٍ لإرادة شعبه إلى وسيط بين الخارج والداخل، مهمته الأساسية: تسويق القرارات الكبرى، لا صناعتها.

رابعاً: السيادة الرمزية… والفراغ الفعلي

في هذا النموذج، لن يُلغى لبنان كدولة. على العكس، سيبقى كل شيء في مكانه:

علم يرفرف، نشيد يُعزف، مؤسسات تعمل، وخطابات سيادية تُلقى.

لكن خلف هذا المشهد، ستكون الحقيقة مختلفة تماماً:

القرارات الكبرى تُتخذ خارج الحدود، والاقتصاد مربوط بشروط المانحين،

والأمن مُدار بتفاهمات إقليمية. أي أننا سنكون أمام سيادة شكلية تُخفي تبعية فعلية.

خامساً: المواطن بين «الراحة القسرية» وفقدان الإرادة

الأخطر في هذا السيناريو ليس فقط ما تفعله الطبقة السياسية، بل كيف يمكن أن يتفاعل معه المجتمع. بعد سنوات من الانهيار، قد يجد اللبناني نفسه أمام معادلة مغرية:

استقرار نسبي، عملة أكثر ثباتاً، خدمات تتحسن… مقابل التخلي الضمني عن القرار الوطني.

وهنا يبرز الخطر الحقيقي: أن يتحول هذا النموذج إلى وضع مريح نفسياً، حيث يفضّل الناس «الأمان المُدار» على «الحرية المُكلفة».ليس لأنهم لا يريدون السيادة، بل لأنهم استُنزفوا إلى حد لم يعودوا قادرين على تحمّل كلفتها.

الخلاصة: من «دولة الطوائف» إلى «محمية المصالح»

إذا استمر منطق المغانم، فإن لبنان لن يبقى فقط أسير انقساماته الداخلية، بل سيتحول إلى منصة تقاطع مصالح إقليمية ودولية، تُدار بتوازن دقيق يمنع الانفجار… لكنه يمنع أيضاً النهوض الحقيقي وسننتقل من: طائفية تُعطّل الدولة إلى تسوية تُجمّدها

ومن: فوضى القرار إلى غيابه الكامل

خاتمة: الفرصة الأخيرة قبل التثبيت النهائي

لبنان اليوم ليس أمام خيار بين حرب وسلام، بل أمام خيار أخطر: بين أن يكون دولةً ناقصة السيادة تسعى لاستعادتها… أو أن يترسّخ كمحمية مستقرة لا تطالب بها أصلاً.

اللحظة الراهنة ليست تقنية، بل تاريخية. إما أن تتحول التسوية إلى مرحلة انتقالية نحو بناء دولة فعلية، أو تُكرَّس كنقطة نهاية، يُعاد فيها تعريف لبنان ككيان وظيفي في خرائط الآخرين.

السؤال لم يعد: ماذا يريد الخارج؟

بل: هل لا يزال في الداخل من يريد دولة… أم أن الجميع بات يفاوض على حصته داخل المحمية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *