تشهد مؤسسات الاتحاد الأوروبي حالة من الانقسام الواضح بشأن مستقبل معاهدة الشراكة التي تنظم علاقاتها مع «إسرائيل»، في ظل تصاعد الانتقادات الأوروبية للسياسات «الإسرائيلية»، خاصة في ما يتعلق بتوسّع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، والوضع الإنساني في قطاع غزة، وصدور قانون «إسرائيلي» جديد يثير مخاوف تتعلق بتطبيق عقوبة الإعدام بحق السجناء الفلسطينيين بشكل حصري، والهجوم الذي تشنه «اسرائيل» مؤخراً على لبنان.
برز هذا الانقسام مجدداً قبيل اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذي عقد في 21 نيسان 2026 في لوكسمبورغ، حيث طُرحت دعوات صريحة لتعليق المعاهدة كلياً أو جزئياً. وكان سبق للمفوضية الأوروبية أن قدمت في أيلول 2025 اقتراحاً لتعليق بعض البنود التجارية التي تؤثر على صادرات «إسرائيلية» بقيمة تقارب 5.8 مليار يورو، لكن دون التوصل إلى توافق بالأغلبية نظراً لتحفظ عدد من الأعضاء. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي يشكّل الشريك التجاري الأكبر للكيان الصهيوني بعد الولايات المتحدة. ففي عام 2024، بلغت صادرات «إسرائيل» إلى الاتحاد نحو 15.9 مليار يورو، مقابل واردات أوروبية بنحو 26.7 مليار يورو، تتصدرها المواد الكيميائية والآلات.
الضغط لإلغاء الاتفاقية لم يأت فقط من دول أوروبية. فقد كشفت إريكا غيفارا روساس، كبيرة مديري البحوث في منظمة العفو الدولية أن أكثر من 75 منظمة حقوقية من بينها «منظمة العفو الدولية» و«هيومن رايتس واتش» طالبوا بتعليق الاتفاق وحظر التجارة مع المستوطنات ووقف نقل السلاح، وأكثر من مليون أوروبي وقعوا عريضة تطالب بإلغاء الاتفاقية. وبحسب قوانين الاتحاد الاوروبي، حين يتم التوصل لمليون توقيع، يجب على المفوضية الأوروبية الرد رسمياً ووضع التبرير اللازم لاتخاذ إجراء أو عدم اتخاذه. أيضاً أكثر من 390 دبلوماسي أوروبي سابق ضغطوا بنفس الاتجاه إذ برأيهم الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يبقى على الحياد. كذلك دعا خبراء من الأمم المتحدة، إضافة إلى بلجيكا وأيرلندا وسلوفينيا وإسبانيا، إلى التعليق الفوري للاتفاقية. رغم ذلك كله لم يتم التوصل إلى نتيجة.ومرة أخرى، جرى تجاهل هذه الدعوات، حيث لعبت ألمانيا وإيطاليا دوراً رئيسياً في عرقلة تعليق الاتفاقية. ويبدو أن هذه العرقلة عكست مواقف الدول الأوروبية المتباينة حيال هذه المسألة، مما يدل على أن التعليق الكامل لاتفاقية الشراكة بين أوروبا والكيان الصهيوني قد يكون بعيد المنال. وقالت روساس «سيُذكر هذا القرار كفصل مُشين آخر في واحدةٍ من أكثر اللحظات عاراً في تاريخ الاتحاد الأوروبي».
البحث في اجتماع لوكسمبورغ تركز على بند التجارة في اتفاقية الشراكة مع «إسرائيل»، وهذا يعكس أهمية المصالح المتبادلة بين الدول الاعضاء في الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني. إلا أن اللافت كان موقف اسبانيا التي أصرّ رئيسها بدرو سانشيز على فسخ اتفاق الشراكة مع تل أبيب متهماً إياها بـ»انتهاك القانون الدولي».
الجدير ذكره أن فسخ الاتفاق يتطلب إجماع الدول السبع والعشرين الأعضاء في التكتل. إلا أن تعذّر هذا الإجماع دفع المفوضية الأوروبية إلى اقتراح وقف جزئي للاتفاق، من خلال تعليق الشق التجاري منه، وهو القرار الذي يمكن تبنيه إذا وافقت عليه غالبية من الدول الأعضاء تمثل 65 بالمئة من سكان الاتحاد.
وتعود معاهدة الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني إلى عام 2000، وتشكل أساس العلاقات السياسية والاقتصادية بين الطرفين، حيث يمثل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر للكيان الصهيوني، إذ بلغ حجم تجارة السلع بين الجانبين في عام 2024 نحو 42.6 مليار يورو. هذا البعد الاقتصادي يضفي ثقلاً إضافياً على النقاش داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تخشى بعض دوله أن يؤدي تعليق المعاهدة أو فرض قيود تجارية واسعة إلى آثار اقتصادية وسياسية معقدة، دون ضمان تغيير فعلي في السياسات «الإسرائيلية».
وبين دعوات لوقف الشراكة والتمسك بالحوار، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام اختبار صعب. فإما المغامرة بتعليق معاهدة الشراكة مع «إسرائيل» تحت ضغط القيم وحقوق الإنسان، أو الحفاظ على المصالح الاقتصادية والتوازنات السياسية.
تجدر الإشارة إلى أن تعليق معاهدة الشراكة مع «إسرائيل»، سواء جزئياً أو كلياً، يخضع لشروط قانونية صارمة. فتعليق الشق التجاري من المعاهدة يتطلب أغلبية مؤهلة، أي موافقة 15 دولة من أصل 27 تمثل ما لا يقل عن 65% من سكان الاتحاد الأوروبي. أما التعليق الكامل للمعاهدة، فيستلزم إجماع جميع الدول الأعضاء، وهو شرط يبدو صعب التحقيق في ظل التباينات الحالية.
من هنا يعتبر المراقبون أن كل تأخير في تعليق الشراكة الأوروبية الاسرائيلية لا يؤدي إلا إلى ترسيخ الإفلات من العقاب بشكل أكبر، ويمهّد الطريق لارتكاب مزيد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من قبل الكيان الصهيوني. ويرون أن على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تتحرك بشكل عاجل وتبادر بشكل أحادي إلى تعليق جميع أشكال التعاون مع «إسرائيل» التي تُسهم في ارتكابها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. وما فشل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي مجدداً في اجتماع لوكسمبورغ في الاتفاق على أي إجراءات ملموسة، إلا تأجيل في اتخاذ خطوات فعّالة وذات مغزى.

