منذ تأميم قناة السويس إلى أزمة مضيق هرمز

هل نحن أمام متغيرات جيوسياسية وانبثاق نظام عالمي جديد???

ها وقد انتهت الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحد وإيران، فيما المحللون يخرجون بانطباع عن نتائج سلبيّة مبنيّة على التصريحات الأميركية من جهة، والإيرانية من جهة أخرى، والتي تعلن عن فجوة كبيرة في المطالب التفاوضيّة للطرفين.

ممّا لا شكّ فيه أنّ التحالف الذي جمع فصائل الحشد الشعبي العراقية وحزب الله اللبناني وحركات المقاومة الفلسطينية وحركة أنصار الله في اليمن، قد أمّن لإيران عمقاً جيوسياسي باتجاه البحر الأحمر ومنطقة شرق المتوسط، ولعلّ هذا ما يفسّر إصرار الإيرانيين على أن لا تُستثنى أي جبهة من اتفاق وقف إطلاق النار حتى لا يتمّ لاحقاً الاستفراد بأيّ طرف على حدة من قبل التحالف الأميركي/ الإسرائيلي.

في هذا الإطار، فإنّه يمكن مقارنة ما جرى على مدى الأسابيع الماضية منذ بدء العدوان على إيران وحتى بدء المفاوضات في باكستان، بالعدوان الثلاثي على مصر في شهر تشرين الأوّل عام 1956….. فقبل سبعةً عقود كان مقدّراً للعالم أن يشهد لحظة تاريخية مفصلية شكّلت الذروة في مسار التحوّل في بنية النظام الدولي.

كان النظام العالمي يمرّ بمرحلة انتقالية من عالم تسود فيه القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا) إلى عام تبرز فيه قوّتان جديدتان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

وكان قد مرّ عقداً كاملاً على نهاية الحرب العالمية الثانية، حين وصلت عملية التحولات إلى لحظة الذروة، عندما قررت قوّة إقليمية جديدة صاعدة (مصر) إلى تحدّي الهيمنة الغربية لتصل الأمور إلى اللحظة التي أعلن فيها الزعيم المصري جمال عبد الناصر عن تأميم قناة السويس.

العدوان على إيران يشبه إلى حدّ كبيراً جرى ضدّ مصر في العام 1956, يوم بدأ الحديث عن تحوّلات في بنية النظام الدولي لجهة أفول القوى التي تسيطر عليه لصالح صعود قوى جديدة تريد أن يكون لها حصّة في النظام الدولي الجديد.

في هذا السياق برزت تكتلات جديدة، على رأسها منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة البريكس لتشكلا منصّتين بديلتين عن المنصّة الدولية التي كانت قد رسّختها الولايات المتحدة لتكون قاعدة لهيمنتها العالمية.

إِلَّا أنّه في خضمّ هذا الصراع بين واشنطن من جهة والقوى الأوراسية من جهة أخرى، خرجت قوّة إقليمية هي إيران لتعلن رفضها للولايات المتحدة تحت شعار التنمية العلمية المستقلّة والمتمثلة بامتلاك المعرفة النووية.

ولقد شكّل العدوان على إيران لحظة الذروة في عملية التحوّل في النظام العالمي، للانتقال من عالم أحادي القطبية خاضع للهيمنة الأميركية ومعها «إسرائيل»، إلى عالم متعدّد الأقطاب تبقى فيه واشنطن لاعباً دوليّاً لكن هذه المرّة بشراكة كاملة مع روسيا والصين، حيث تكون السيادة على مضيق هرمز تماماً كما كانت جائزة مصر في استعادة السيادة على قناة السويس. 

بناء على ذلك، وبالاستناد إلى عمق عملية التحوّل في بنية النظام الدولي، فإنّ عملية الانتقال هذه قد تأخذ وقتاً أطول ممّا تطلّبته عملية الانتقال في النظام الدولي قبل سبعين عاماً والتي كانت ذروتها العدوان الثلاثي على مصر.

من هنا لا بدّ من انتظار الجولات المقبلة. وإذا كانت أزمة السويس قد رسّخت أفول نجم بريطانيا وفرنسا لصالح صعود الدور العالمي للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي… فإنّ فشل العدوان على إيران سيؤدّي إلى تراجع الهيمنة الأميركية وبروز قوى تشاركها الدور الريادي العالمي، وعلى رأسها الصين وروسيا بالإضافة إلى دور محوري لإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *