المفاوضات والوقت المستقطع

في الثامن من نيسان الجاري بدأت الهدنة بين طرفي الحرب الايراني والامريكي واعقبها جولة مفاوضات في اسلام اباد، ولكن المعضلة ان الولايات المتحدة كانت قد افترضت انها تستطيع في جولة المفاوضات هذه تحقيق ما فشلت عن تحقيقه بالحرب وذلك بإملاء شروطها على طهران التي تعني الاستسلام الشامل لدوله لم تهزم اصلا لا بل انها حققت قدرا من التوازن مع خصومها.

انتهت هذه الهدنة فجر اول أمس الاربعاء وسط ترقب عالمي لما سيحدث، لكن الذي حدث ان ترامب أعلن من طرف واحد تمديد الهدنة لثلاثة او خمسة ايام بعد ان رأى (زعم) ان النظام قد تغير وان على النظام الجديد القبول بشروط الاستسلام او العودة الى الحرب مع اشارته ان الحرب قد حققت اهدافها طالما ان النظام قد تغير وان المشروع النووي الايراني قد تم تدميره، ولكن حجم الدمار قد يحول دون اخراج اليورانيوم من مخابئه وان إيران لم يعد لديها صواريخ طويله المدى.

لكن ما يجري على الارض امر لا يفيد بان ترامب معني بنجاح الجولة الثانية من التفاوض، اذ ان تقرير صادر عن مجلس الامن القومي في روسيا يقول ان الولايات المتحدة واسرائيل لا تنظران الى مفاوضات اسلام اباد نظرة جدية وانما لتقطيع الوقت واعادة الموضوع العسكري وحشد مزيد من الاساطير من اجل العودة للحرب.

يبدو هذا التقرير معقولا إذا نظرنا لهذه الحرب باعتبار انها تستهدف اولا تحقيق مسائل استراتيجيه تتعلق بالأمن القومي والمصالح العليا لكل من واشنطن وتل ابيب وثانيا الى تامين مصالح سياسية مهمة لكل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.

في الجانب الاول ترى واشنطن ان ايران هي الطائر الوحيد في هذا الشرق الذي يغرد بالكامل خارج القفص الامريكي وانها من يقف ضد مصالح الولايات المتحدة ويهدد حلفاءها في تل ابيب اولا وثانيا وثالثا ويهدد رابعا من يعتبرون انفسهم خلفاء لواشنطن على الساحل المقابل للخليج، وان كان ترامب لا يعتبرهم حلفاء وانما دفتر شيكات حسب قوله، والحرب على ايران وتغيير النظام يستهدف الصين ايضا الخصم الاول لواشنطن والتي تعتمد في بناء ازدهارها على النفط الايراني بنسبة عالية والتي تشتريه باليوان الصيني اي خارج نظام سويفت القاضي بحظر بيع وشراء البترول الا بالدولار الامريكي اضافة الى ان ايران سوق مهم للبضائع الصينية، اما تل ابيب التي اصبح لديها امتدادها الابراهيمي من مغرب المحيط الهادر الى بترو دولار الخليج الثائر، فهي لا تريد شريكا لها في هذا الاقليم، وان كانت البداية في الحرب وتحطيم ايران فان القائمة بعد ايران ستشمل تركيا التي تراقب الحرب بدقه وقلق وباكستان صاحبة الدور الجديد المدرك لما تريده اسرائيل.

نتنياهو بدوره المالك الحصري لتطوير نظرية الفوضى الخلاقة لتصبح نظرية الحرب الدائمة يرى ان هذه الحرب يجب ان تتواصل لتحقيق هدفها الرئيس بتحطيم النظام وهو الامر الكفيل ان حصل بشطب باقي اهداف الحرب مثل المشروع النووي والمشروع الصاروخي وقطع العلاقة بين ايران وحلفائها، اذ تصبح ايران دوله منكفئة على داخلها فاقدة لسيادتها على ثرواتها وخاصة النفطية، ولا تملك من السلاح ما يجعلها قادرة على الحصول على الخبز ودفع الرواتب كما نرى اليوم في معظم دول الاقليم من المحيط الى الخليج، حينئذ تتفرغ اسرائيل بعد ذلك للمواجهة مع تركيا وقد تكون ساحتها من حوران في الجنوب حتى ادلب والرقة في الشمال ومن بعدها لباكستان وهذا  ما يراه نتنياهو لترتيبات ما بعد الحرب التي يفترض انه سينتصر بها في النهاية ترامب

لكن بالحقيقة اليوم الثاني قد لا يكون اسرائيليا امريكيا، وانما ستحدده مجريات الحرب وبالتالي قد يكون ايرانيا بامتياز فايران  التي ترى انها ستخرج من هذه الحرب منتصرة او على الاقل انها لن تخرج مهزومة وهذا كاف لترتيباتها لما بعد الحرب التي ستتجاوز بكثير دعم حلفائها في اليمن والعراق ولبنان وفي التصدي للعدوان الاسرائيلي على فلسطين لتصل الى جوارها الخليجي الذي كانت سابقا تحاول ابقاء الاشتباك معه في حدودها الادنى لكن هذه الحرب كشفت ان السياسة الإيرانية في هذا المجال لم تكن دقيقة في حساباتها فهؤلاء ليسوا الا ادوات واظافر وانياب لإعدائها وحتى لإعدائهم.

إيران ترى حتى الان انها قوية وتستطيع استثمار عناصر القوة لديها كلما تقدم الزمن، وكلما صارت الامور في صالحها وفي غير صالح خصومها خاصة وأنها قد استطاعت تدويل وتعميم الازمة لتطال العالم اجمع بما فيه الداخل الامريكي بسبب نقص توريدات النفط.

اما في الجانب الاخر فخصوم إيران ترامب ونتنياهو، يملكون شخصيات متورمة تفرض على بلادها رغائبها واهوائها فالحرب مرهقة لترامب بسبب ارتفاع الاسعار والازمة العالمية وتردي علاقته مع حلف الناتو واوروبا الغربية اضافة الى مشاكله الداخلية خاصة وهو مقبل على الانتخابات النصفية التي كان يعتقد ان مفتاح النجاح فيها انتصاره على إيران والذي قد تصبح ورقة الفشل في هذه الانتخابات مرتبطة بفشله في حربه هذه.

 نتنياهو بدوره يرى ان هذه الحرب من شانها ان تمدد له ولاية جديدة خاصة وان الانتخابات الإسرائيلية على الابواب وان فشله في العودة الى مقعد رئاسة الحكومة يعني حجزه لزنزانة في السجن بتهم الفساد الموجهة اليه.

هكذا يمكن القول ان المفاوضات ليست الا وقت مستقطع ولكن الحرب متواصلة  والنصر بها يعتمد على ادارتها والقدرة على الصبر واحتمال اعبائها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *