قالها أنطون سعادة منذ قرابة قرن: «ما الذي جلب على أمّتي هذا الويل؟» حينما بدأ العمل على تأسيس الحزب معتبرا أن السبب الرئيسي هو تخلّي الأمة عن وحدتها وتفشّي النّعرات الطائفيّة والمذهبيّة والغرائز المريضة فضلا عن انهيار الهوية القومية الواحدة والوقوع في شرك الانقسام.
هذا ما قاله سعادة ويا ليت أبناء هذه الأمة سمعوا وأدركوا، ولكن لسنا هنا في صدد التوبيخ والتبكيت؛ فوق ذلك قامت أنظمة استبدادية منذ منتصف القرن الماضي، في كيانات أمتنا وحكمت بوحشيّة فائضة وعاثت في الأرض فسادا وقمعت البشر والنفوس وعاملت الناس كما لو كانوا دواب في حظيرة أو حيوانات في سيرك.
إضافة إلى ذلك هاجمنا في الماضي ولم يزل، استعمار غربي يقوم على عقلية إجرامية هدفها إبادة الشعوب وطمس حضاراتها واحتلال أراضيها طمعا في المكاسب والثروات.
هذه الحالات وصّفها كتّاب متنوّرون ومفكرون كبار في مؤلفاتهم سنتناول منهم كاتبين ألمعيّين هما؛ زكريا تامر ومنير العكش في كتابين: النمور في اليوم العاشر وتلمود العم سام.
أبدأ من كتاب «النمور في اليوم العاشر» لزكريا تامر، وهو مجموعة قصصيّة صدرت عام 1978، وتعتبر من أشهر أعمال هذا الكاتب السوري المميز خطّا وأسلوبا. القصة الرئيسية تحمل عنوان المجموعة، وتدور حول نمر يقع في الأسر ويتعرّض لمحاولة ترويض قسريّة على يد مروّض محترف يستخدم أسلوب التجويع للسيطرة عليه حتى ينفذ الأوامر والتعليمات والتي تقضي بالرقص والقيام بحركات معينة من أجل عروض السيرك أمام الجمهور.
النمر، رمز الشعب الأبيّ في أصله، يخضع لإرادة القوة ويتحول تدريجياً إلى كائن خانع ومطيع. المروّض، رمز السلطة، يستخدم أساليب الإذلال والتجويع لتحقيق أهدافه، فيجعل النمر يقلّد مواء القطط ونهيق الحمار استجابة لأوامره.
القصة تنتهي بعبارة رمزية: «وفي اليوم العاشر اختفى المروّض وتلاميذه والنمر والقفص؛ فصار النمر مواطنًا، والقفص مدينة»، مما يوحي بأن الشعب قد فقد حريته وأصبح جزءًا من نظام قمعي. لقد عمد حكام هذه المنطقة من العالم على سياسة الذل والتجويع ليحكموا الناس، بيَد من حديد من أجل إخضاع المواطنين وذلك من خلال لقمة عيشهم وتأمين حاجاتهم الأساسية للعيش فتحوّل الذل قوتا يوميا في عالمنا وتحولت المدن إلى سجون كبيرة. نتيجة لكل هذا القمع والفقر؛ تعلّم المواطنون الانحراف والفساد والرشوة وأخيرا، العمالة ليتوّجوا بذلك أدنى مستويات الحقارة في تاريخ البشرية!
أما في كتاب «تلمود العم سام» لمنير العكش فنعثر على دراسة تاريخيّة وفكريّة عميقة تتناول العلاقة بين الأساطير العبريّة وتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية. يركز الكتاب على الإبادات الجماعيّة التي تعرض لها الهنود الحمر، ويشرح كيف استخدم المستعمرون الأوروبيون الأساطير التوراتية لتبرير احتلالهم لأمريكا وإبادة سكانها كما يقدّر الكاتب عدد الهنود الحمر الذين قتلوا خلال هذه الإبادات بأكثر من 112 مليون شخص، وتدمير أكثر من 400 ثقافة وأمّة مختلفة.
ما حصل في القرون الماضية تعود السياسات الأمريكية الحديثة لاستنساخه وتطبيقه في عالم اليوم.
أيضا الأهم في هذا الكتاب تناوله دور العقيدة الصهيونيّة المسيحيّة في تشكيل السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وخاصة دعم الكيان الإسرائيلي.
يربط المؤلف منير العكش بين الإبادات الجماعية للهنود الحمر وما يحدث في فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط معتبرًا أن كلا الحالتين تعكسان النهج الاستعماري عينه.
وعليه، العتب كل العتب والملامة كل الملامة على شعوب هذه الأمة الذين لا يقرأون ولا يتبصّرون وفوق كلّ ذلك يستسلمون ويهرعون للاصطفاف في طوابير العمالة مثل هرّ يلحس المبرد جاهلا ان ما يتلذذ به هو طعم دمائه. الحياة صراع طويل بين الخونة وأبناء الحياة والثمن الباهظ يدفعه الإنسان الأبيّ صاحب النفس العالية والكرامة.
ختاما استشهد بما قاله الكبير محمد الماغوط:
عليك أن تفهم أن في وطني تمتلئ صدور الأبطال بالرصاص وتمتلئ بطون الخونة بالأموال ويموت من لا يستحق الموت على يد من لا يستحق الحياة .

