كيف أعاد ترامب توظيف أطروحة فوكو ياما؟

لم تكن المراسم التي أحاطت بالنهاية الظاهرية للأطروحة «الفوكويامية» وإسقاطاتها على العدوان الهمجي «الصهيو أميركي» على إيران ولبنان، سوى محاولة لإخفاء واقع أن ما كشفته واشنطن عن عملية تحرير الأسير لم يكن قليلا ًأبدًا، ولم تكن إلّا قصة مليئةً بالصخب لكن خالية من كلّ معنى، هدفها لعبة ترامبية خبيثة لضمان ابقاء صورة المنتصر ولو على حساب الحقيقة التي تؤكد أن إيران لم تنكسر وأنها قادرة على إيلام عدوها في كل مكان.

لا تكمن الإشكالية الأساسية للأطروحة «الفوكويامية» في وقوع الهزيمة الأميركية، بوصفها جزءًا طبيعيًّا من حركة التاريخ، بل في تعطيل القدرة على إدراكها، فحين يفرغ مفهوم النصر من مضمونه الواقعي، ويتحوّل إلى مجرد أداة خطابية، يفقد المجتمع أحد أهم شروط التعلم التاريخي، وهو الاعتراف بالخسارة بوصفها مدخلاً لإعادة الواقعية السياسية إلى مخرجاتها الطبيعية.

يمكن القول إن بعض النخب السياسية والإعلامية الأميركية قد طورت، عبر تراكمات من الإخفاقات غير المعترف بها، خبرة خطابية خاصة في تحويل الوقائع السلبية إلى روايات إيجابية، بحيث لا يعود النصر مرتبطًا بتحققه الفعلي، بل بمدى القدرة على إقناع الجمهور بحدوثه؛ وهنا تتجلى إحدى أبرز مفارقات المشهد: واقع يتآكل تدريجيًّا، يقابله خطاب يتضخم باستمرار.

أما في الحالة الإيرانية، تبدو العملية أكثر تركيبًا وتعقيدًا، إذ تتعرض الدولة، لضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية، إلا أن الخطاب الرسمي لا يتجه نحو الاعتراف بهذه الضغوط بوصفها مؤشرات ضعف، بل يعيد دمجها في سردية أوسع تقوم على مفاهيم المقاومة والصمود التاريخي؛ وبهذا المعنى، تتحول الضربة إلى عنصر ضمن بنية رمزية تهدف إلى إعادة إنتاج الشرعية، لا إلى تقويضها.

في الحالة الأميركية، تكمن خطورة الظاهرة «الفوكويامية» في قدرتها على إعادة صياغة الوعي الجمعي، فعندما تتحول الخسارة إلى نصر وهمي، يصبح من الصعب إنتاج نقد ذاتي حقيقي، لأن اللغة ذاتها تعاد هيكلتها لتمنع توصيف الواقع كما هو، وهنا تتقدم وظيفة الخطاب بوصفه أداة للضبط الرمزي، لا مجرد وسيلة للتعبير، حيث يعاد توزيع المعاني بطريقة تجعل من الهزيمة حدثًا قابلاً للاحتفاء، لا للمراجعة.

إن تحليل الصراعات في السياق الغربي يتطلب تجاوز القراءة العسكرية المباشرة، والالتفات إلى البعد الخطابي الذي يعيد إنتاج النتائج ضمن منظومة رمزية معقدة، ففي كثير من الأحيان، لا يكون السؤال: من انتصر فعليًّا؟ بل: من نجح في فرض تعريفه للانتصار؟

عندما طرح «فرانسيس فوكو ياما »أطروحته الشَّهيرة في كتاب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، لم يكن يقصد- وفق قراءته الأصليّة- التنبُّؤ بتوقُّف الأحداث، بقدر ما كان يسعى إلى توصيف لحظة انتصار النَّموذج اللِّيبرالي الغربي بوصفه الإطار النِّهائي للتنظيم السِّياسي. غير أنَّ هذا الطرح، الذي نشأ في سياق نهاية الحرب الباردة، سرعان ما تجاوز حدوده الفلسفيّة، ليُعاد توظيفه داخل البنية الاستراتيجيّة الأميركيّة كمرجعيّة ضمنيّة لفهم وإدارة النِّظام الدَّولي.

ولكن كيف انتقلت هذه الأطروحة من حقل التَّنظير إلى فضاء الممارسة، وطرق تتبُّع آليّات «ترجمتها» داخل دوائر صنع القرار، وربطها بأنماط السُّلوك الجيوسياسي الأميركي، لا سيّما في ظل تصاعد التنافس مع قوى كبرى مثل روسيا والصِّين.

تميَّزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة بهيمنة خطاب ليبرالي اعتبر أنَّ الصِّراع الأيديولوجي قد حُسم لصالح الدِّيمقراطيّة اللِّيبراليّة. إلَّا أنَّ هذا التَّصوُّر لم يُعتمد بمعزل عن مدارس فكريّة أخرى في العلاقات الدّوليّة، بل تداخل مع مقاربات أكثر واقعيّة.

في هذا السِّياق، يمكن استحضار إسهامات جون ميرشايمر، الذي انتقد التَّفاؤل اللِّيبرالي، مؤكِّدًا أنَّ بنية النِّظام الدّولي تظل محكومة بمنطق القوّة وتوازناتها. وبهذا المعنى، فإنَّ ما حدث لم يكن تبنِّيًا خالصًا لأطروحة «نهاية التاريخ»، بل إعادة صياغتها ضمن نموذج هجين يجمع بين:

الشَّرعيّة اللِّيبراليّة (كمبرِّر أيديولوجي)، والواقعيّة الهجوميّة (كأداة تفسير وسلوك).

هذا التَّداخل أفضى إلى تصوُّر ضمني مفاده أنَّ «نهاية التاريخ» لا تعني نهاية الصِّراع، بل نهاية التَّنافس الأيديولوجي، بما يفتح المجال أمام صراعات من نوع آخر، أكثر ارتباطًا بالسَّيطرة على الموارد والمجالات الحيويّة.

«نهاية التاريخ» لم تمثِّل نهايةً للصِّراع، بل لحظةً انتقالية في بنية النِّظام الدّولي. فقد أُعيد توظيفها من قبل إدارة ترامب ضمن استراتيجيّات تهدف إلى تثبيت الهيمنة، لكنها في الوقت ذاته أسهمت في تحفيز قوى أخرى على إعادة التموضع. ولكن هل تحققت «نبوءة» فوكو ياما أم أنها لم تكن أكثر من هرطقة أيديولوجية جانبت الواقع واستنفذت أغراضها بعد محاولة فرض الهيمنة وإملاء الإرادة والتحكم بمسار العلاقات الدولية؟

وعليه، فإنَّ السُّؤال المركزي لم يعد يتعلَّق بمدى صحّة الأطروحة «الفوكوياميّة»، بل بقدرة النِّظام الدّولي على استيعاب تحوُّلات متسارعة تتجاوز الأطر النَّظريّة التي سادت في تسعينيّات القرن الماضي. فالتاريخ، بوصفه عمليّة مفتوحة، يظل عُرضة لإعادة التشكُّل، تبعًا لتغيُّر موازين القوّة وتبدُّل أنماط التفاعل بين الفاعلين الدّوليّين.

كتبَ «فرانسيس فوكو ياما» عن «نهاية التاريخ» العام 1992، مبشّرًا بانتصار الديمقراطية الليبرالية، ونهاية عصر الأيديولوجيا، وبزوغ عصر ما بعد العقائد السياسية والدينية، مثبّتًا شكوكه في نهاية فكرة اليوتوبيا والمجتمعات المثالية كما رسمتها العقائد، ومتيقّنًا من انتصار الحضارة الغربية.

وتعليقًا على الطبيعة الأساسية لهذه المرحلة «الترامبية» الجديدة من التاريخ الأميركي، أبدى «فوكو ياما »رأيه في الليبرالية الكلاسيكية التي يعتبرها عقيدة مبنية على احترام الكرامة المتساوية للأفراد من خلال حكم القانون الذي يحمي حقوقهم، وقدرة الدولة على التدخل في هذه الحقوق، وقال إنها تعرضت لتشويهين كبيرين في العقود الأخيرة، وكانت النتيجة هي دونالد ترامب!

واعتبر أن التشويه الأول كان صعود «الليبرالية الجديدة»، التي تقدّس الأسواق وتقلّل من قدرة الحكومات على حماية المتضررين من التغيير الاقتصادي.

والتشويه الثاني صعود سياسات الهوية أو ما قد يطلق عليه «الليبرالية المستيقظة»، واستخدام سلطة الدولة بشكل متزايد، ليس في خدمة العدالة، بل لتعزيز نتائج اجتماعية محددة لمجموعات خاصة.

وبحسب «فوكو ياما» فالسؤال الحقيقي الآن ليس عن خبث نوايا ترامب، بل عن قدرته على تنفيذ ما يهدّد به بالفعل.

نظام مارديني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *