شروط طهران تفرض المسار من الميدان إلى التفاوض

في لحظةٍ سياسيةٍ بالغة الدلالة، تتقاطعُ المؤشراتُ الصادرةُ عن طهران وواشنطن حول اقترابِ مسارٍ تفاوضيٍّ جديد، لكن هذه المرّة على قاعدةٍ مختلفة: شروطٌ إيرانيةٌ تُطرحُ كأرضيةٍ للنقاش، لا كسقفٍ تفاوضيٍّ قابلٍ للتعديل.

فما أعلنه مجلسُ الأمن القومي الإيراني لا يُشبهُ بياناتٍ تمهيديةً لمفاوضاتٍ تقليدية، بل أقربُ إلى رسمِ إطارٍ ملزمٍ لأي اتفاقٍ محتمل. من تنظيمِ المرورِ في مضيق هرمز بالتنسيق مع القوات الإيرانية، إلى إنهاءِ الحربِ على كاملِ مكوّنات محور المقاومة، وصولًا إلى انسحابِ القوات الأميركية من قواعدها في المنطقة، ودفعِ التعويضات، ورفعِ العقوبات، والإفراجِ عن الأصول المجمدة… تتبدّى معادلةٌ جديدة عنوانها: التفاوض من موقع القوة.

في المقابل، لم يكن تصريحُ ترامب بأن «الشروط الإيرانية هي مدخلٌ للمفاوضات» مجرّد موقفٍ إعلامي، بل يحمل في طيّاته دلالةً سياسيةً عميقة، توحي بقبولٍ ضمنيٍّ بهذه الشروط كنقطة انطلاق. وهذا بحدّ ذاته تحوّلٌ نوعيّ في السلوك الأميركي، الذي اعتاد فرضَ شروطه لا التكيّف معها.

هذا التحوّل لا يمكن فصله عن نتائجِ المواجهة الدائرة، سواء في الميدان أو في السياسة. فالحربُ التي رُوّج لها كعملية نظيفةٍ وسريعة انتهت إلى واقعٍ مغاير، حيث نجحت إيرانُ وحلفاؤها في امتصاصِ الضربات، وإعادةِ تنظيمِ الصفوف، بل والانتقالِ إلى فرضِ إيقاعٍ خاصٍّ بهم في إدارة الصراع.

في هذا السياق، يبرزُ دورُ قوى المقاومة في لبنان كجزءٍ لا يتجزأ من هذه المعادلة. فهذه القوى، التي راكمت خبرةً طويلةً في حروبِ الاستنزاف وإدارةِ التوازنات، أسهمت في تثبيتِ معادلةِ الردع، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضًا في البعدِ السياسي، حيث بات أيُّ اتفاقٍ إقليميٍّ يمرّ حكماً عبر الاعتراف بدورها وتأثيرها.

إنّ الإصرار الإيراني على إنهاء الحرب ضد «جميع عناصر محور المقاومة» ليس تفصيلًا، بل يعكسُ رؤيةً شاملةً تعتبرُ أن أيّ تسويةٍ لا تشملُ هذا المحور ستكونُ ناقصةً وغيرَ قابلةٍ للاستمرار. ومن هنا، فإنّ إدراج هذا البند في صلب الشروط يُعدّ تثبيتًا لواقعٍ جديدٍ فرضتهُ نتائجُ الميدان.

أما مسألةُ الانسحاب الأميركي من القواعد في المنطقة، فهي تُعبّر عن تحوّلٍ استراتيجيٍّ أعمق، يتجاوزُ مجرد إعادة انتشارٍ عسكري، ليصلَ إلى إعادةِ تعريفِ الدور الأميركي برمّته في غرب آسيا. وهو ما يتقاطعُ مع مطالبَ متصاعدةٍ داخل المنطقة بإنهاء الوجود العسكري الخارجي.

في المحصلة، يبدو أنّ واشنطن تجدُ نفسها أمام خيارٍ واقعي: إما الاستمرار في سياسةِ الاستنزاف المفتوح، بكلفةٍ متزايدةٍ وغيرِ مضمونة النتائج، أو القبولُ بقواعدِ لعبةٍ جديدةٍ ترسمها طهران وحلفاؤها. وبين هذين الخيارين، تبرزُ ملامحُ اتفاقٍ محتمل، لا يقوم على توازنِ ضعف، بل على إقرارٍ بتحوّلِ موازين القوى.

إنها لحظةُ انتقالٍ من زمنِ الإملاءات إلى زمنِ التفاهمات القسرية، حيث لم تعد القوةُ تُقاسُ فقط بما تملكه الدول، بل بقدرتها على فرضِ شروطها… وإجبارِ خصومها على الاعتراف بها

احمد الايوبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *