صناعة الغيتو

منذ حدوث الإجماع البشري الأولي، ومن ثم البدائي، لم يكن ذاك النوع من الإجماع مبني على عدم قدرة مزاج الإنسان على العيش وحيداً، بل كان قائم على مصلحة الإنسان في العيش الجماعي، فالصيغة التقايضية هي الصيغة الأسمى التي توصل إليها الإنسان، وعليها تم إشادة التنظيمات الاجتماعية البدائية، التي انحكمت بالارتقاء والتعقيد التكنولوجي، لصياغة أحسن طريقة ممكنة للتقايض المصلحي، بغية البقاء، أولاً، ومن ثم الرفاهية والسعادة، واستمر هذا الارتقاء إلى يومنا هذا الذي لا ننتظر غده فالغد قادم لا محالة، دون إذن أو استئذان من أحد، أو من أية قوة مهما كانت مرجعتيها الفكرية، وفي هذا الغد سوف نلمس ( كما في كل الأيام) نتائج أو مخرجات ما سببته المدخلات عبر الزمن من نجاح أو فشل، شبع أم جوع، كرامة أو مهانة، الغد هو الخصم والحكم، فيه تتبدى الأخطاء من الخطايا، حيث التساهل مع الخطأ وتمريره هو نفسه الخطيئة الكبرى التي تستوجب الدينونة، وعليه فالبحث عن الخطأ وإعادة الاعتبار إليه، باستدعائه ومحاكمته وتحديد المسؤول، هو الخطوة الأولى في إعادة العمل بالمنطق الاجتماعي، وهذا ما يحتاج إلى رؤية تجارب الآخرين والاستفادة منها وتبنيها إذا ما دعت الحاجة، فمنتوج الاجتماع البشري يجب أن يكون مفهوماً من قبل الآخرين، ويمكن التفاهم معه أيضاً، عبر إعلان المصالح كمسألة مقايضاتية، وليس كسر عظم وإلا لجأ الآخرون إليها أيضاً، ما يعيد فكرة الإجتماع البشري بقصد البقاء إلى المربع الأول، بمعنى أن أُفني الآخر لقاء بقائي، وهذا مبدأ ينطبق على أعضاء الاجتماع الموجود و«المنتصر» على الآخر « مبدئياً» ، حيث يعود هذا المبدأ ليفعل نفس الفعل داخل هذا الاجتماع، بمعنى أصبح واضحٌ للعيان، وجربته كل الاجتماعات البشرية، وفشل في توليد مجتمع وحدوثه، وهذا ليس إعلان لكراهية العنف، بل هو من مبدئيات وضع خطة للبقاء، عبر النجاح في إحداث مجتمع يلبي المصالح الدنيوية، ليس من دون أخطاء، ولكن من دون خطايا ستقوض حتماً أركان المجتمع، وبالتالي تقويض الكيان المدني لهذا النوع من الاجتماع لعدم ارتقائه إلى رتبة «مجتمع»، وهنا يظهر مصطلح «تغيير الخرائط» ككلمات مهذبة عن الفناء ، أو فقدان الدور الإنساني من الإجتماع، أو ما يمثل خطراً على الجميع، بمعنى على نفسه أيضاً، خصوصاً إذا كان هذا الإجتماع غير منتج، ويحتاج إلى إلى إبتزاز الآخرين، أو الشحاذة منهم، للحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الوجود.

هنا ننتقل إلى مفهوم «الغيتو» بما يتجاوز عزل أو إنعزال مجموعة بشرية عن الاجتماع البشري الموصوف أعلاه، ليتحول مفهومه وممارسته تنطبق على هذا النوع من الاجتماع ككل (ليس بوصفه ما دون المجتمع فقط)، فالقبول بوجود غيتو في اجتماع بشري ما، يعني الاستغناء عن قيمة إنسانية عليا، هي الاندماج، التي تقبع في مكان ما فوق دستوري، لأنها تثقب مبدأ المساواة التي يقوم عليها أي دستور مهما كان بليداً أو مطاطاً، حيث يفقد مصداقيته، في امتحان بدئي، هو امتحان المصالح، وأولها مصلحة حق الوجود، وهذا ما يحقق صورة نوعين من الغيتو إجتماعياً الغيتو الأصغر المعزول في بقاع مدينية أو ريفية، والغيتو الأكبر الذي يحيط به، في تعبير عمومي عن ثقافة التفارق، وهذا ما يمكن تقديره كخطيئة تتدحرج ككرة ثلج في الزمن، وهنا يمكن تقدير بلاهة وسوء طوية المؤيدين لوجوود الغيتو، بمعنى تمايز بشري يحكم السيرورة الاجتماعية ويسير بها نحو الفناء، وهنا أيضاً لا يمكن الإرتكان إلى رؤى أخلاقية تمايزية، تصنع زعماء مقدسين، يختارون بين السيء والأسوأ، بل على منتجات تفكيرية تسمى دستوراً، يتفق عليه الاجتماع البشري، عبر تعبير الأعضاء عن إرادتهم، ومرة أخرى يتواجه هذا الاجتماع البشري مع امتحان الوعي، الذي لم يعد لغزاً، فجل البشرية تعتمده للنجاة أولاً ثم للرفاه والسعادة تالياً، هذا ما يشرح تحول سينغافورة إلى سينغافورة الحالية، وكوريا الجنوبية إلى كوريا الجنوبية الحالية (دون أن نذكر مثال الصين)، وهذا الكلام ليس دعوة للمقارنة، فالمسألة هنا هي الوعي الذاتي لموضوعة الاندماج وطرحها كقيمة عليا، من باب أن كل كائن بشري هو إمكانية يمكن استثمارها لصالح الجماعة، ولذلك أيضاً تحتاج الإرادة إلى وعي، بمعنى إلى أين نحن ذاهبون؟ قيل سؤال من نحن؟ وكيف نحن؟ .

الغيتو.. هو السير على درب الفناء (تغيير الخرائط)، إنه حالة تجريبية لتفتيت المجتمع المزمع ولادته، وبالتالي يبدو انتظار تحول، على طريقة البلدان الناهضة، هو كذبة لشراء زمن وهمي، ليس فيه إلا إدارة أزمات تولدها نوعية الوعي، الذي يولد إرادات تسعى إلى الخراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *