وسط انشغال العالم بالأحداث الدائرة في المنطقة، يبقى المشهد السوري منحصراً فيما يقوم به مؤيدو سلطة الحكومة المؤقتة من انتهاكات بحق كل من ليس مثلهم.
إن الواقع «السوري »اليوم هو أسوأ ما يمكن أن يتخيله أكثر المتشائمين في تحليلاته قبل سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 واستلام جبهة النصرة زمام الحكم فيها، فالحالة الأمنية لا تخلو يوماً من انتهاكات بشرية أوعلى المقدسات الدينية في كامل الجغرافيا السورية، ولم يسلم أحد من هذه الانتهاكات مهما كان دينه أو معتقده إلا من يدين بالولاء للسلفية الجهادية التي لا تؤمن إلا بشعارها المعروف «بالذبح جئناكم».
تصدر المشهد خلال الأيام الماضية الشارع المسيحي الذي اعتقد البعض أنه محصن ومحمي برعايات دولية وأن المساس بهم من المحرمات التي وضعها من أوصل الجولاني إلى السلطة، ولكن لم يكن الأمر أكثر من حالة تريث مؤقته حتى يصل لهم الدور، بعد سنة واربع أشهر من استلامهم السلطة في دمشق لم يوفر عناصر هذه النظام أحد من بطشهم، وكان آخر المكونات السورية هم المسيحيين فقد جاء دورهم في الانتهاكات، وقد شهدت مدينة السقيلبية في محافظة حماه هجوماً منظماً من مسلحين يرافقهم عناصر من وزارة الداخلية «جهاز الأمن العام» على المدينة وانتشرت مقاطع فيديو توثق ما قاموا به من تخريب للأملاك العامة وترهيب السكان وإطلاق النار على البيوت، وكانت الذريعة أقبح من العملية فقد اعتبر المهاجمون أنهم يردون إهانة شباب السقيلبية لأحد عناصرهم بعد أن حاول التحرش بإحدى بنات المدينة ما استدعى تدخل شباب كانوا حاضرين للتدخل وحمايتها وابعاد العنصر عنها، فما كان إلا أن احتشدت عناصر في قلعة المضيق وهجموا على مدينة السقيلبية ليعلنوا أنه ممنوع المساس بأي منهم حتى لو كان غيرة على الشرف والعرض.
أما في طرطوس فقد شهدت قرية الروضة «المسيحية أيضاً» اعتداءً على مقابرها وتكسير الصلبان فيها وانتهاك حرمة أمواتها بعد حادثة السقيلبية.
يبدو أن المسيحيون في سوريا يدفعون فاتورة وقوفهم واعتصامهم ضد قرارات التمييز العنصري التي اتخذتها حكومة دمشق وقام أهالي الأحياء المسيحية ومعهم التيارات المدنية والعلمانية بتنظيم وقفات احتجاجية ورفضهم لما أسموه فصل المسيحيين عن بيئتهم السورية وتوصيف أحيائهم بمراكز السكر والعربدة من قبل سلطة الجولاني ومؤيديها.
إلى متى سيبقى السلاح هو لغة الحوار السوري في وجه كل من يخالف فكر حكام دمشق الحاليين في حين أن هذا السلاح يختفي تماماً أمام جيش الاحتلال الذي يتوغل في الجنوب السوري منتهكاً السيادة والأموال والأعراض دون أن تأخذ الغيرة أو الحمية الجهادية أي واحد منهم ليثأر لشرفه بل يصبحوا كما يصفون رئيسهم «الجولاني» براغماتيون، يقتلون أبناء الوطن ويرهنون سلاحهم ليكملوا جرائمهم ويحشدوا قوتهم ليقاتلوا جنباً إلى جنب مع الصهيوني الذي يحتل أرضهم ويتحمسون ليقاتلوا عنه بالوكالة ويدخلوا لبنان ويحاربوا المقاومة التي تدافع عن شرف أمة باعت كرامتها أمام الصهيوني والأمريكي .
ويبقى القول الفصل في وصف هؤلاء ما قاله فيلسوف الأمة وزعيمها «إن العبد الذليل لا يمكن أن يمثل أمة حرة، لأنه يذلها».
فيصل ماجد

