تشهد منطقة المشرق اليوم أحد أعنف وأبشع مراحل العنف في تاريخنا الحديث والمعاصر، تحت ضغط عسكري هائل، وفي خضم هذه المرحلة، أطلّ علينا (نتنياهو) رئيس وزراء الكيان (الإسرائيلي)، بتصريح خطير. ولا بدّ لنا في هذا السياق أن نؤكد أنه ليس مجرد زلة لسان، بل محاولة للكشف عن منظومة فكرية متكاملة. عندما قال: « ليس ليسوع المسيح أي أفضلية على جنكيز خان، أذا كنت قوياً بما يكفي وقاسياً بما يكفي وذا نفوذ كافٍ فسوف يتغلب الشر على الخير» أنتهى الاقتباس.
هذا الكلام الخطير، أثار موجة من الغضب، وتم اتهامه «بمعادة المسيحية» إذ كشف عن النظرة الحقيقية التي تنتهجها (إسرائيل) تجاه المسيحيين بشكل عام، وتجاه مسيحيي المشرق بشكل خاص.
تأتي مقالتنا هذه محاولة للرد والكشف عمّا يضمره هذا التصريح من أبعاد خطيرة، استناداً إلى منظومتهم الفكرية.
أولاً: القيمة الأخلاقية.
يقول: «لا أفضلية للسيد المسيح على جنكيز خان» هذه المقارنة بين السيد المسيح (القيمة الأخلاقية)، وجنكيز خان (قمة الإجرام) هي نفي تام للقيمة الأخلاقية التي اتسمت بها شخصية السيد المسيح ورسالته السماوية. والجدير بالذكر أن في كلا الرسالتين، المسيحية والمحمدية شكّلتا ذروة القيم الإنسانية مثل: التسامح، الغفران، التضحية، واللاعنف. بالمقابل نعلم كيف اتسمت شخصية جنكيزخان باعتباره كان رمزاً للإبادة الجماعية والوحشية التي قضت على الكثيرين. ما قام به (نتنياهو) بالمساوة بينهما يعني شيئاً واحداً: أن من يملك القوة يمكن أن يصنع التاريخ، أما من يملك الأخلاق فتُعتبر أخلاقه ترفًا لا يجدي نفعاً.
يبدو أن هذا الطرح المستجد ليس وليدة لحظة، بل محاولة لاسترداد مقولة الفيلسوف اليوناني ثوسيديدس (460-393) ق م في كتابه تاريخ الحرب البيلوبونيسية الذي قال على لسان الأثينيين:« الأقوياء يفعلون ما يشاؤون والضعفاء يعانون ما يتحتم عليهم». واستناداُ لما قالوه (نتنياهو) فهو يحاول أن يشرعن السياسة التي ينتهجها، والتي ترتكز على فرض الأمر الواقع بالقوة المفرطة، واستباحة كل المحرمات في سبيل الوصول إلى أهدافه.
ثانياً: سياستهم والنص التلمودي.
بعيداُ عن إعطاء هذا التصريح بُعداً فلسفياً، وبصرف النظر من قائل هذه المقولة، إن كان الفلاسفة اليونان، أو ويل ديورانت أو حتى نتشه، إذا أردنا أن نفهم حقيقة ما يضمره هذا الشخص، علينا أن نعود إلى بعض النصوص التلمودية التي شكّلت الخلفية الثقافية لهؤلاء. فعلى سبيل المثال: موضوع دفع التعويض عن الضرر حيث ورد في Bava Kamma 38 a بقرة أولى (التلمود البابلي) «نصاً آرامياً نُقل إلى العبرية» «إذا نطح ثور يهودي ثوراً وثنياً أي من غير اليهود فانه معفى من التعويض، أما إذا نطح ثوراً وثنياً يهودياً فإنه يدفع تعويضاً كاملاً باعتبار أن أموال غير اليهود مباحة، بالمقابل نرى نصوص Sanhedrin 43 a تتناول محاكمة (يشو) وهو الاسم التلمودي للسيد المسيح حيث تتهمه بممارسة السحر، وإضلال الشعب، علماً أن قرار قتل السيد المسيح خرج من هذا المجمع، وعلية فإن استرداد هذا التصريح في هذا الوقت يحمل دلالات خطيرة.
ثالثاً: التصريح ومسيحيو المشرق.
مسيحيو المشرق هم أبناء هذه الأرض منذ أكثر من 2000 عام، وهم جزء من النسيج الأصيل لهويتنا المشرقية. أما تصريح (نتنياهو) فهو في عمقه نفي لأحقية هذه الجماعة في الوجود على أساس هويتها الثقافية والدينية.
وقد شهدنا جميعاً، في السنوات القليلة الماضية سياسات تلموديه منظمة تجاه مسيحي ومحمديي فلسطين والشهود كثر من المطران الراحل كبوجي وصولاً اليوم إلى المطران عطالله حنا من مصادرة الأراضي الكنسية، والاعتداء على المسجد الأقصى، والاعتداء على رجال الدين واعتقالهم، ووصل الأمر بهم إلى (البصق) عليهم، وحتى ممارسة العنف أثناء الجنازات (مأتم الصحفية شيرين أبو عاقلة نموذجاً) هذا بالإضافة إلى العديد من التقارير الدولية التي توثق أعمال العنف بحق المسيحيين والمحمديين على السواء.
انطلاقاً من هنا، واستناداً إلى ما صرّح به (نتنياهو): « إذا كان السيد المسيح لا أفضلية له على جنكيزخان» فإن هذا الأمر يقلل من قيمة السيد المسيح أولاً ومن قيمة المسيحيين ثانياً ليصبحوا، حسب سرديته مجرد «أقلية» يمكن التلاعب بها. وهنا تكمن خطورة التصريح.
رابعاً: واجب الرد
من هنا، لا يمكن الرد على هذا التصريح الخطير لمجرد الاستنكار العاطفي، بل يحتاج إلى موقف أصلب من قبل الفاتيكان، رأس الكنيسة المسيحة وممثل السيد المسيح، من الأزهر، والمملكة العربية السعودية، وإيران، ومن قبل كافة كنائس المشرق. هذا على المستوى الديني، فماذا عن المستوى التاريخي؟
فقد ثبت أن الحضارات التي قامت على مبدأ القوة مثل: الأشورية، الإغريقية، الرومانية، العثمانية وحتى المغولية التي يمثلها جنكيز خان، لم تدم طويلاً، وتفككت خلال قرون قليلة ما يعني، أن القوة العسكرية قد تنتصر في معركة، لكنها لا تنتصر في التاريخ.
فماذا عن المستوى الأخلاقي؟ ما قدمه (نتنياهو) هو نسخة جديدة عن فلسفة نتشه (1844-1900) التي أعلنها عبر العديد من كتبه (Beyond God & Evil, Thus Spoke Zarathustra, The Antichrist) والتي أعلن فيها موت الله مقابل تقديس القوة. وعلى (نتنياهو) أن يعلم أنه لا يمكن تبنّي هذه الفلسفة أو تطبيق النصوص التوراتية والتلمودية في منطقتنا المشرقية، في ظل هذا المشهد المعقد.
بناء على كل ما تقدم، نؤكد أن ما قام به (نتنياهو) ليس مجرد إهانة للمسيحين، بل هو إنذار للبشرية، وإعلان واضح وصريح عن أفول عصر الأخلاق، والتبشير بولادة عصر جديد من التوحش.
أن أبناء المشرق، من مسيحيين ومحمديين صامدون رغم كل العنف والعواصف، وإن مشروعه المتمثل بالشر سُيهزم. هذا هو التاريخ، وهذه هي أخلاقنا، وهذا هو المشرق العظيم.
نجا حمادة

