المارونية السياسية والجنوب

بعد الحرب العالمية الأولى وسيطرة فرنسا على لبنان وسوريا الجمهورية، طالب بطريرك الموارنة، الياس الحويك، بتوسيع متصرفية جبل لبنان، غير القابلة للحياة، لتشمل بيروت والبقاع وطرابلس والشمال حتى بحيرة حمص وسهل القُصير والجنوب حتى بحيرة الحولة وسهلها. في أيلول 1920، أعلن الجنرال الفرنسي غورو دولة لبنان الكبير بحدوده الحالية بدون بحيرتي حمص، والحولة، وسهول القصير والحولة. الجدير بالذكر ان البطريرك رفض إجراء استفتاء في هذه المناطق «السورية» التي ضمت الى جبل لبنان وجرت فيها اضطرابات طائفية في 1925 بعد الثورة السورية الكبرى. كذلك رفض البطريرك تعديل او تقليص الحدود بعد بروز تيار داخل الكنيسة يرى أن بقاء لبنان الكبير بحدوده الواسعة سيجعل المسيحيين أقلية، لكنه استعاض عن ذلك بالعمل على «ترسيخ استقرار» المجموعات المسيحية الوافدة (الأرمن والسريان) لتعويض الثقل الديموغرافي للمسلمين في طرابلس والجنوب ونُقل عنه الدعوة الى «نقل الشعوب لكي يصبح لبنان متجانسا».

 الوكالة اليهودية، التي تأسست في 1923 والتي كانت تدير السياسة الصهيونية مع العالم العربي قبل تأسيس الكيان، كانت قد أقامت شبكة علاقات مكثفة في هذه الفترة مع معظم زعماء الطوائف في لبنان وخاصة الموارنة، حسب كتاب «المتاهة اللبنانية – سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان 1918-1958» لرؤوفين أرليخ. أهم هذه العلاقات الوطيدة أقيمت مع البطريركية المارونية ومعظم القيادات السياسية المارونية سعيا منها لإقامة وطن قومي مسيحي في لبنان. تبعا لكتاب «المتاهة اللبنانية»، فالموارنة كانوا منقسمين الى تيارين فالتيار الأول رؤيته انفصالية متحالفة مع اسرائيل، والتيار الثاني رؤيته مؤيدة لقيام لبنان كجزء من العالم العربي. على رأس التيار «الانفصالية» كان إميل اده (رئيس لبنان بين العامين 1936 و1941) ويضم البطريرك الماروني أنطوان عريضة، مطران بيروت أغناطيوس مبارك ورئيس الكتائب بيار الجميل. اما التيار المؤيد لكيان لبناني مستقل كجزء من العالم العربي، فكان يتزعمه بشارة الخوري ويضم شارل دباس (الرئيس الأول للبنان 1926-1933)، وميشال شيحا المصرفي الكلداني الكاثوليكي وصهر بشارة الخوري، وغيرها من الاسماء يوردها الكتاب تباعاً.

الوكالة اليهودية وصفت إميل اده بانه «صاحب النزعة الفرنسية والمعارض للقومية العربية والسورية حليفا طبيعيا». بعد انتخابه رئيسا للبنان في العام 1936، أقام إده علاقات وثيقة مع الياهو إيلات الذي كان قد تعرف عليه في الجامعة الأميركية في بيروت بين عامي 1931 و1934، والتقى حاييم وايزمان في حزيران 1937 وبارك له دولة اليهود العتيدة، وبعدها التقى ديفيد بن غوريون ورؤوفين شيلواح في صيف 1946 وبعث معهما رسالة تتضمن طلبا ماليا كبيرا من أجل السيطرة على الحكم في لبنان. وذكر إده أمام محاوريه (حسب «المتاهة اللبنانية …») أنه بعد أن ينجح في ذلك، سيكون مستعداً للتعامل مع اليهود وسيوافق على ضم جنوب لبنان (على ما يبدو حتى الليطاني) «إلى البيت القومي لليهود» (ص 37). من الشخصيات المارونية القيادية الأخرى التي نسجت الوكالة اليهودية علاقات معها كان البطريرك أنطوان عريضة، مطران بيروت أغناطيوس مبارك ورئيس حزب الكتائب بيار الجميل. 

أما بشارة الخوري، الذي كان يقود التيار الذي يسعى لان يكون لبنان جزء من العالم العربي، وحسب كتاب الياهو ساسون «في الطريق الى السلام» في 1978، فقد اجتمع بساسون في 11 آب 1941 في بيروت وقال له «يوجد بيننا وبينكم حائل يجب إ ازلته وهو جبل عامل. ثمة ضرورة لإخلائه من سكانه الشيعة الحاليين الذين يشكلون خطرا دائما على البلدين والذين تعاونوا أثناء الأحداث مع العصابات العربية التابعة للمفتي المقدسي»، ويكمل ساسون بان بشارة الخوري إقترح إخلاء جبل عامل من سكانه الشيعة وإسكانه بعد الحرب بالموارنة المقيمين في الولايات المتحدة، وأن يقوم المشروع الاستيطاني اليهودي بإقراض البطريرك الماروني عريضة مبلغا من المال لهذا الغرض. هـذه الرؤية لم تكن بعيدة عن الرؤية الصهيونية فيقول آرليخ في كتاب «المتاهة اللبنانية» بانه «كان يُنظر (من قبل الصهيونية) إلى منطقة جنوب لبنان بوصفها هدفاً محتملاً للاستيطان اليهودي وتوجيه الهجرات اليهودية نحوها، رغم أن لبنان كان من حصة الانتداب الفرنسي» (ص 23). هذا الالتقاء في الأهداف والمصالح أدى الى تتويج العلاقات الصهيونية المارونية بمعاهدة بين البطريرك عريضة ممثلا البطريركية المارونية وحاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية في 30 آذار 1946. المعاهدة نصت على التعاون وعلى تأكيد البطريركية دعمها لهجرة اليهود الى فلسطين واقامة دولة يهودية فيها وعلى تأكيد الوكالة على الطابع المسيحي للبنان.

الحلم بجعل لبنان وطن قومي مسيحي لم ينته بعد «استقلال» لبنان في 1947 ففي 1949 تآمرت الحركات الانعزالية المسيحية مع الكيان الصهيوني على اغتيال أنطون سعادة التي كانت البطريركية المارونية في 1937 قد اعتبرت ان حزبه السوري القومي مؤامرة على الدين لان فصل الدين عن الدولة «اثم واهانة للباري عز وجل» ومؤامرة على الوطن لأنه يحاول «ملاشاة الوطن اللبناني» ويشكل خطر على مفهوم «الوطن الملجأ الديني».  كذلك استمرت هذه القوى بالتمسك بالنظام الطائفي حسب ميثاق 1943 الذي يعطي رئيس الجمهورية الماروني صلاحيات شبه مطلقة وفي الدعوة الى عزل لبنان ثقافيا واجتماعيا عن محيطه الطبيعي. هذا التوجه، بالإضافة الى عوامل خارجية أخرى، أدت الى حرب اهلية اولى في 1958، وثانية في 1975 غزت خلالها إسرائيل لبنان في 1982. بشير الجميل، قائد ميليشيا القوات اللبنانية، الذي تحالف مع الكيان الصهيوني في هذا الغزو، نُصب رئيسا للجمهورية وبذلك ظن انه أصبح على مرمى حجر من تحقيق حلم تياره لجعل لبنان 10452 كلم2 وطن قومي للمسيحيين. حسابات الحقل لم تتماه مع حسابات البيدر فسوريا الجمهورية والقوى الوطنية اللبنانية اعتبرت تحالفه مع العدو الاسرائيلي خيانة عظمى وتهديد للأمن القومي السوري فنفذ القومي الاجتماعي حبيب الشرتوني «حكم الإعدام» فيه قبل ان يستلم مهامه الرئاسية.     

سمير جعجع الـذي لم يكن متحمسا لشعار 10452 كلم2 الذي أطلقه بشير الجميل استلم قيادة القوات اللبنانية من بعده وخاض حروب طائفية خاسرة ومشبوهة أدت الى «تطهير طائفي» للمسيحيين وتهجيرهم من المناطق المختلطة في الشوف وعالية وشرق صيدا الى المناطق المسيحية او ما يعرف بالكانتون المسيحي. الجدير بالذكر ان إسرائيل لعبت دورا محوريا في اشعال الصراع الطائفي بين المسيحيين والدروز في هذه المناطق لإنشاء نواة كانتون درزي وآخر ماروني وذلك تماهيا مع خطتها البعيدة المدى لإنشاء كيانات عرقية طائفية هزيلة في المشرق السوراقي وامم الشرق الأوسط المجاورة، ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد.

بعد انحسار «وتجميع» معظم الوجود المسيحي بين طريق بيروت-دمشق جنوبا وحدود طرابلس وعكار شمالاً، أخذ سمير جعجع المخضرم سياسيا «يدوزن» خطاب القوات السياسي الرسمي للتعتيم على غاياته السياسية فهو يقول ان صيغة «الطائف» الحالية فشلت وان النظام المركزي الحالي أصبح «جثة هامدة» ويدعو الى «اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة» ويطرح الفيدرالية كبديل «إذا استمر الطرف الآخر (في إشارة إلى حزب الله) بفرض مشروعه على الدولة». رغم ذلك فهو لم يستطيع ضبط بعض مسؤوليه ومؤيدي تياره من إطلاق تصاريح تدل على تفكيرهم ونياتهم، فها هو المسؤول الإعلامي في القوات، شارل أيوب، يقول عن الآخر «ما بيشبهونا ولا منشبهن» ونائبة القوات غادة أيوب تتحدث عن «المواجهة المستمرة منذ أكثر من 1400 سنة» ووزير الخارجية القواتي يوسف رجي يبرر لإسرائيل ضرب المقاومة في الجنوب ومؤخرا يدعوا الصحافي رامي نعيم الجيش السوري «السني» الى الدخول الى البقاع للقضاء على حزب الله ويدعوا قبرص الى قصف الضاحية! قد يفترض البعض ان هـذه التصاريح فردية لكن إذا قارناها بالمواقف والاعمال القواتية من ضغط على الحكومة اللبنانية على جعل حزب الله غير قانوني ودعوة الجيش اللبناني الى نزع سلاحه بالقوة مهما كانت النتائج وعدم استنكار العدوان الإسرائيلي ولوم المقاومة، عندها تتضح الصورة بشكل أفضل.

في 1948 وفي مقال له في مجلة الجيل الجديد (العدد 48/4/1948)، استشرف أنطون سعادة «إن السياسيين الموارنة يفضلون، إذا خيّروا بين خسارة رئاسة الجمهورية وخسارة لبنان الكبير، الخسارة الثانية على الخسارة الأولى. وإنّ منهم من كان يجاهر بأنه إذا حدث ما يوجب فقد السلطة العليا في الدولة، كثبوت كون المحمديين يمثّلون خمسة وخمسين …، فإنهم يفضلون حينئذٍ العودة إلى لبنان الصغير». ان تيار «لبنان الصغير» الذي تقوده القوات اليوم يرى في حزب الله وبيئته الحاضنة الموزعة في الجنوب والبقاع وبيروت وجبيل تهديدا لمشروعهم التقسيمي وامن كانتونهم المسيحي ويسعون لضربه، فهم لا يكترثون إذا انقسم الجيش وحصلت حرب أهلية سنية-شيعية ويؤيدون احتلال العدو الإسرائيلي للجنوب وصولا الى الليطاني او الاولي. ان من مصلحة هذا التيار احتلال الكيان الصهيوني للجنوب او جعله تحت الوصاية الإسرائيلية (مثلما حصل في جنوب سوريا الجمهورية) وتهجير قسم كبير من الشيعة خارج لبنان (الى العراق) وتجميع البقية في كانتون صغير، وهـذا يتماهى كلياً مع المشروع الإسرائيلي للسيطرة على الجنوب وتقسيم لبنان الى كانتونات درزية ومسيحية وسنية وشيعية تحت غطاء كونفدرالية لبنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *