تتجه الأنظار إلى طاولة المفاوضات المزمع عقدها في الأيام القادمة، إذا ما صدقت نوايا الرئيس الأميركي، حيث يجلس على هذه الطاولة كل من دولة العدو اليهودي والولايات المتحدة الأميركية من جهة، والجمهورية الإسلامية في إيران من جهة أخرى. ويأتي هذا المسار التفاوضي بعد مرحلة من التصعيد الحاد، رسمت فيها الأطراف أهدافا كبرى وسقوفا مرتفعة، بدت في كثير من الأحيان أقرب إلى شروط استسلام منها إلى أرضية تفاوض.
فقد أعلن الرئيس ترامب، في أكثر من مناسبة، أن الهدف الأساس تجاه إيران يتمثل في دفعها إلى إعلان استسلامها، بالتوازي مع دعواتٍ صريحة للقوات العسكرية إلى تسليم سلاحها، أو القبول بتفكيك الدولة الإيرانية وتقسيمها إلى دويلات. وفي السياق نفسه، ذهب رئيس سلطة الاحتلال اليهودي، نتنياهو، إلى أبعد من ذلك، واضعا نصب عينيه إسقاط النظام في إيران، وتدمير برنامجها الصاروخي، وسحق ما أسماه “المشروع الشيعي” في المنطقة، تمهيدا لإقامة شرق أوسطي جديد يعيد رسم موازين القوى وفق رؤية تخدم الهيمنة اليهودية.
إلا أن مجريات الميدان لم تسر وفق هذه الأهداف المعلنة. فقد تمكنت إيران، وفق هذا المسار، من إفشال تلك الأهداف عبر جملة من العوامل، أبرزها صمودها الداخلي، وإمساكها بمضيق هرمز بقبضة قوية، مع التلويح بالتحكم بممرات بحرية أخرى ذات أهمية استراتيجية. كما لعب تقاطع مصالح قوى المقاومة في لبنان والعراق واليمن معها دورا محوريا في تعزيز موقعها وموقع المقاومة، إلى جانب الضربات التي طالت منشآت عسكرية أمريكانيه في دول الخليج، واستهداف مواقع ومراكز استراتيجية تابعة لجيش العدوّ اليهودي.
ولم تقف التداعيات عند البعد العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي، حيث شهدت أسعار النفط ارتفاعا ملحوظا، مهددة بخسائر اقتصادية كبيرة، ما دفع الولايات المتحدة الأميركية إلى الإيعاز لحلفائها بالبحث عن مخارج سياسية تنهي حالة الحرب أو تخفف من حدتها. وهنا تحديدا، بدأ ميزان القوى يميل، لتبدو يد إيران هي العليا، وموقعها على طاولة المفاوضات أكثر قوة وثباتا.
في المقابل، يبرز الغياب اللافت لدول الخليج عن هذه الطاولة، رغم أنها من أكثر الأطراف تأثرا بمجريات الصراع. وقد دفع هذا الغياب هذه الدول إلى محاولة التعويض عبر أدوات غير مباشرة، من خلال الضغط على إيران بواسطة التأثير على حلفائها في لبنان. وفي هذا السياق، أوعزت دول الخليج إلى حلفائها للضغط على المقاومة، في مسعى واضح لحجز مقعدٍ لها على طاولة المفاوضات في مواجهة إيران، ولو من موقع غير مباشر.
وقد تجلى هذا التوجه في مواقف السلطة في لبنان، التي سارعت إلى اتخاذ قرار حكومي وصف بالقرار الذليل، اعتبرت فيه أن المقاومة خارجة عن القانون، وأعقبته برفض اعتماد السفير الإيراني، في خطوة تحمل أبعادا سياسية تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي. غير أن هذا المسار يعكس، في نظر كثيرين، قصورا في قراءة موازين القوى، إذ إن القاعدة الثابتة في النزاعات تشير إلى أن من يشارك في الحرب ويثبت حضوره في الميدان، هو الأقدر على فرض موقعه على طاولة التفاوض.
وعلى الرغم مما تعرضت له دول الخليج من تجاهل أمريكاني نسبي لما يجري على أراضيها أو في محيطها، فإنها ما زالت، وفق هذا التصرف، منساقة خلف السياسة الأميركية، من دون مراجعة جدية لمسارها. كما أنها لم تستخلص العبر من حقيقة أن الولايات المتحدة تعمل، بدرجات متفاوتة، على تمكين سلطة الاحتلال اليهودي من تثبيت موقعها المهيمن في المنطقة، وهو ما يفرض إعادة تقييم للخيارات الاستراتيجية المعتمدة.
من هنا، يبرز تساؤل جوهري: هل كان الأجدر بدول الخليج أن تسلك مسارا مختلفا؟ إذ يرى هذا الطرح أنه كان ينبغي عليها رفض استخدام أراضيها منطلقا للهجمات الأمريكانية، والعمل بدلا من ذلك على الاستجابة للدعوات الإيرانية لتشكيل منظومة أمنية إقليمية تضم دول المنطقة، بهدف حماية الاستقرار وبناء توازنات قائمة على المصالح المشتركة.
ولا يقدم هذا الطرح بوصفه فكرة طارئة، بل باعتباره امتدادا لرؤية أعلنتها إيران منذ بدايات الثورة، حين أكدت وقوفها إلى جانب القضية الفلسطينية، التي كانت تعدّ في خطاب دول الخليج القضية المركزية. كما تشير هذه الرؤية إلى أن مواقف إيران، السياسية وغير السياسية، المنحازة إلى قضايا شعوب المنطقة، في مقابل ما واجهته من حملات تحريض وتضييق استهدفتها واستهدفت حلفاءها.
وفي ضوء ذلك، صار من الواجب بناء تكتل إقليمي يضم دول الخليج وإيران وتركيا والدول السورية، ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى حماية الإقليم من الهيمنة الخارجية، سواء كانت أمريكانيه ويهودية أو غيرهما. وينظر إلى هذا الخيار، إذا ما توافر له الحد الأدنى من الإرادة السياسية، كمدخل لتحقيق استقرار ورخاء طويل الأمد في المنطقة، بدلا من الارتهان لمحاور خارجية متبدلة المصالح.
غير أن تحقيق هذا التحول يبقى مشروطا بقدرة الأنظمة العربية على كسر حاجز الخوف من الولايات المتحدة الأميركانية، واتخاذ قرارات سيادية مستقلة تعكس مصالح شعوبها. يمكن استحضار تجربة دولة العراق، التي أعلنت في محطات مفصلية عدم انصياعها للإرادة الأميركية، حيث عبّرت مواقف حكومتها ومؤسساتها الأهلية عن تمسك واضح بمفاهيم السيادة والحرية.
ان هذه الحرب، اثبتت أن معادلة القوة لم تعد ترسم فقط على طاولة المفاوضات، بل تصاغ أولا في الميدان العسكري.

