في اللحظة التي يشتدّ فيها الضغط العسكري والسياسي على لبنان، لا يمكن فهم حركة اليمين اللبناني خارج سياق الدور الوظيفي الذي يُراد له أن يؤديه ضمن الاستراتيجية الأميركية ـ الصهيونية في المنطقة. فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا يريد اليمين؟ بل: ماذا يُراد له أن يكون؟
اليمين اللبناني كأداة ضبط داخلي
تدرك الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أن أي مواجهة مباشرة مع لبنان، بمعناه المجتمعي العميق، ستكون مكلفة وغير مضمونة النتائج. لذلك، يتم الاستثمار في قوى داخلية قادرة على إعادة تشكيل التوازنات من الداخل، عبر خطاب “السيادة” و“الدولة” الذي يُستخدم كغطاء لنزع عناصر القوة الفعلية في المجتمع.
المطلوب من هذا اليمين ليس فقط مواجهة المقاومة سياسياً، بل تفكيك البيئة الحاضنة لها، وإعادة تعريف العدو والصديق. فبدل أن يكون العدو هو الكيان الصهيوني، يُعاد توجيه البوصلة نحو “الداخل”، نحو صراع أهلي مبطّن، يضعف البنية المجتمعية ويمنع تشكّل أي مشروع وطني جامع.
تفريغ لبنان من عناصر قوته
ما تريده واشنطن وتل أبيب يتجاوز مسألة سلاح أو حزب. نحن أمام مشروع متكامل يقوم على:
إضعاف البنية الاقتصادية إلى حد الانهيار الكامل، بما يجعل المجتمع في حالة عجز دائم.
تفكيك مؤسسات الدولة أو إعادة تشكيلها بما يخدم منطق التبعية وربط أي عملية نهوض بشروط سياسية تتعلق بترسيم الحدود، والتطبيع غير المباشر، وضبط القرار السيادي.
في هذا السياق، يتحول اليمين اللبناني إلى أداة ضغط داخلية لفرض هذه الشروط، تحت عنوان “الإنقاذ” و“الإصلاح”، بينما الجوهر هو إدخال لبنان في منظومة إقليمية تقودها المصالح الأميركية.
آليات عمل الذراع الصهيو ـ أميركية في الداخل
لا تعمل هذه المنظومة بشكل عفوي أو عشوائي، بل وفق آليات دقيقة ومتعددة المستويات، تُدار بعناية لخلق واقع سياسي يخدم الأهداف الخارجية دون الحاجة إلى تدخل مباشر.
أول هذه الآليات هو إعادة إنتاج الخطاب السياسي، حيث يتم تسويق مفاهيم مثل “السيادة” و“الحياد” و“الدولة” بشكل مجتزأ ومشوّه، بحيث تُفرغ من مضمونها الحقيقي، وتُستخدم كأدوات لضرب أي عنصر قوة فعلي في المجتمع. هنا، لا يعود النقاش حول بناء دولة قوية، بل حول كيفية نزع القدرة عن أي قوة لا تخضع للمنظومة الدولية.
ثانيًا، الاشتغال على الوعي العام عبر منظومة إعلامية متكاملة، تعمل على شيطنة أي مشروع مقاوم، مقابل تلميع نماذج التبعية بوصفها “عقلانية” و“واقعية”. هذه المنظومة لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تصنع سردية كاملة تعيد تشكيل إدراك الناس للواقع، بحيث يصبح الانخراط في المشروع الخارجي وكأنه الخيار الوحيد الممكن.
ثالثًا، توظيف الأزمة الاقتصادية كسلاح سياسي. فبدل البحث عن حلول بنيوية، يتم تعميق الانهيار واستخدامه للضغط على المجتمع، ودفعه نحو القبول بشروط سياسية كانت مرفوضة سابقًا. الجوع هنا ليس نتيجة فشل فقط، بل أداة إخضاع.
رابعًا، بناء شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة، تسمح بتعطيل أي قرار لا يتماشى مع المصالح الأميركية ـ الصهيونية، وتمرير ما يخدمها تحت عناوين قانونية وإدارية. وهكذا، تتحول الدولة نفسها إلى ساحة صراع داخلي، بدل أن تكون أداة حماية للمجتمع.
أخيرًا، اللعب على الانقسامات الطائفية والمناطقية، لإبقاء المجتمع في حالة تشظٍ دائم، تمنع تشكّل أي جبهة وطنية موحّدة. فكلما اقتربت لحظة التلاقي، يتم ضخ خطاب تحريضي يعيد الجميع إلى مربعات الخوف والشك.
نحو أي لبنان يُدفع؟
لبنان الذي يُراد ليس لبنان القادر على الفعل، بل لبنان المُدار. كيان منزوع الإرادة، تُحدد خياراته من الخارج، وتُضبط توازناته عبر صراعات داخلية دائمة. لبنان بلا قوة ردع، بلا دور إقليمي، وبلا قدرة على إنتاج سياسة مستقلة.
هذا النموذج ليس جديداً، بل هو استعادة لنمط قديم من الوصاية، لكن بأدوات حديثة: عقوبات، ضغوط مالية، إعلام موجّه، وشبكات نفوذ داخلية.
الخطر الحقيقي: الانزلاق إلى صراع داخلي
الأخطر في هذا المسار ليس فقط ما تريده القوى الخارجية، بل قابلية بعض الداخل للانخراط فيه. فحين يتحول الخلاف السياسي إلى مشروع إلغاء متبادل، يصبح البلد ساحة مفتوحة لكل أشكال التدخل.
وهنا تكمن المفارقة: بدل أن يكون الصراع مع العدو الخارجي، يتم استنزاف الطاقة في الداخل، بما يخدم تماماً أهداف هذا العدو.
في الختام نقول، إن إدراك طبيعة هذا المشروع هو الخطوة الأولى في مواجهته. فالمعركة ليست بين يمين ويسار، ولا بين طائفة وأخرى، بل بين مشروعين: مشروع يريد لبنان تابعاً منزوع القوة، ومشروع يسعى إلى تثبيت سيادته الفعلية.
إن أخطر ما في هذه المرحلة أن الذراع الداخلية لم تعد تخفي وظيفتها، بل تمارسها تحت عناوين براقة، مستفيدة من تعب الناس وانهيارهم. وهنا، تصبح المواجهة ليست فقط مع الخارج، بل مع كل بنية تعمل على تكريس هذا الواقع
لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن يُعاد بناؤه كقوة فاعلة تمتلك قرارها، أو يُستكمل تفكيكه كمساحة مُدارة تُستخدم في مشاريع الآخرين …والتاريخ لا يرحم لحظات التردد…

