إذا كانت خطاباتُ الأوّلِ من آذار تكشفُ في مضمونها معنىَ النهضةِ التي بشّر بها أنطونُ سعاده، وتظهرُ في أسلوبها البلاغي روحَ اليقينِ التي تميّزَتْ بها خطاباته، فإن هذه المناسبة اكتسبت مع مرور الزمن بعدًا آخر في حياةِ الحركةِ القوميةِ الاجتماعية. فقد تحوّل الأوّلُ من آذار من ذكرى ميلادِ شخصيةٍ إلى مناسبةٍ يجتمعُ فيها القوميونَ الاجتماعيون للتعبير عن إيمانهم بالنهضة وفرحهم بولادةِ روحٍ جديدةٍ في الأمّة. فالمناسبةُ لم تبقَ حدثًا زمنياً عابرًا، بل أصبحت تقليدًا يتجدّدُ كل عام، يحملُ معنى الوفاءِ للنهضة وللقضية التي نذرَ سعاده حياته لها.
أوّلًا: معنى الاحتفال في حياةِ النهضة
نشأت حولَ ذكرى الأوّلِ من آذار تقاليدُ احتفاليةٍ خاصةٍ في صفوف القوميين الاجتماعيين، وكانت هذه الاحتفالات، وما زالت، تُقام في الوطن والمغتربات ويشتركُ فيها عددٌ كبيرٌ من المؤمنين بالعقيدةِ القوميةِ الاجتماعية.
لم يكن الهدفُ من هذه الاجتماعات مجردَ إحياءِ ذكرى ميلاد أنطون سعاده، بل التعبيرُ عن الإيمان بالنهضة التي أطلقها. فالمناسبةُ كانت فرصةً يلتقي فيها أبناءُ الحركة ليؤكّدوا وحدةَ اتجاههم في العقيدة والشعور والعمل.
وقد أشار سعاده إلى هذا المعنى عندما تحدّث عن اجتماعات القوميين الاجتماعيين في هذه المناسبة، معتبرًا أنها دليلٌ على الوحدةِ الروحية بينهم وعلى اشتراكهم في العمل من أجل القضية التي تجمعهم.[1]
وهكذا أصبح الاحتفالُ بالأوّل من آذار مناسبةً يتجدّد فيها الشعورُ بالانتماءِ إلى النهضة، ويتأكّد فيها الإيمانُ بالمبادئ التي قامت عليها.
ثانيًا: الزعيم والنهضة
ارتبط الأوّلُ من آذار في وجدان القوميين الاجتماعيين بشخص أنطون سعاده بصفته مؤسّسَ الحركة القومية الاجتماعية وزعيمها. لكن الحديث عن الزعيم في هذه المناسبة لم يكن يقتصرُ على شخصه، بل كان يرتبطُ دائماً بالمبادئ التي جسدها وبالقضية التي حملها. وقد عبّر سعاده عن هذا المعنى بوضوح عندما قال:
«إنّ انطون سعاده لا يعني فقط انطون سعاده، بل يعني مبادئ نهوض الأمة وتبوّئها مقام العزّ والشرف.»[2]
تكشفُ هذه العبارةُ أن شخصيةَ سعاده لا تُفهم بمعزلٍ عن القضية التي يمثلها. فالاسمُ هنا يتحوّلُ إلى رمزٍ لمبادئِ النهضة، وإلى تعبيرٍ عن الإرادة التي تسعى إلى إحياء الأمّة وإعادة بنائها. ومن هذا الفهم نشأ الشعور بأن الاحتفال بالأوّل من آذار ليس مجرد تكريمٍ لشخص، بل هو احتفاءٌ بالمبدأ الذي حمله هذا الشخص وبالنهضة التي أطلقها.
ثالثًا: التضحية في سبيل الأمّة
من المعاني التي كثيرًا ما استُحضرت في هذه المناسبة معنى التضحية في سبيل الأمّة. ففي القسم الذي أعلنه سعاده حوّل هذه الذكرى من مناسبة شخصية إلى عيد قومي، إذ أعلن التزامه العلني بالقضية التي أسسها قائلاً:
«أنا أنطون سعاده أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي على أن أقف نفسي على أمّتي السورية ووطني سورية، عاملاً لحياتهما ورقيّهما…»[3]
ومنذ إعلان هذا القسم برهن سعاده صدقَ قوله بالفعل، مكرّسًا حياته لقضية أمّته، ساعيًا «لرفعها من حضيض الذل والاستعباد إلى الرقي والمجد، إلى حياة العزّ»[4]، ولم يتردّد في مواجهة الأخطار في سبيلها. وقد عبّر عن هذا المعنى بوضوح في خطابه في الأوّل من آذار عام 1949 حين قال:
«كلّ ما فينا هو من الأمّة، وكلّ ما فينا هو للأمّة. الدماء التي تجري في عروقنا عينها ليست ملكنا، هي وديعةُ الأمّة فينا، ومتى طلبتها وجدتها.»[5]
تكشف هذه العبارة جوهر الفكرة التي قامت عليها النهضة: أن الإنسانَ لا يعيش لذاته أنانيًا متعاميًا عن ذل شعبه أو غير متألّم لآلامه، بل يضع حياته في خدمة أمّته وقضيتها.
وقد أوضح سعاده هذا المعنى في الخطاب نفسه بقوله:
«إنّنا نقتل العيش لنقيم الحياة. إنّنا أردنا حياةً لا عيشًا. بين الحياة والعيش بونٌ شاسع وفرقٌ عظيم. الحياة لا تكون إلا في العزّ، أما العيش فلا يفرّق بين العزّ والذل، وما أكثر العيش في الذل حولنا!»[6]
ومن هنا كان استذكارُ الأوّل من آذار يحمل دائماً معنى الوفاءِ لسعاده الذي أحبّ أمّته بإخلاص، وللمبادئ التي جسّدها، وتأكيد الاستعداد لمتابعة الطريق الذي رسمته النهضة من أجل حياة العزّ والحرية والشرف.
رابعًا: الفرح القومي
إلى جانب معاني الالتزام والتضحية، حملت احتفالات الأوّل من آذار معنى الفرح القومي. فالقوميون الاجتماعيون لم ينظروا إلى هذا اليوم بوصفه ذكرى عادية، بل بوصفه مناسبة ترتبط بولادة فكرة النهضة وببداية مسارٍ جديد في حياة الأمّة.
ومن هنا اكتسب الأوّل من آذار طابعَ العيد، لأنه يذكّر بولادة رجل المبادئ الذي أطلق مشروع النهوض وأعاد إلى الأمّة الثقة بقدرتها على الحياة والتقدّم. ولذلك كان هذا اليوم يُستقبل دائمًا بروح الابتهاج والاعتزاز، إذ يرى فيه القوميون الاجتماعيون رمزًا لولادة الأمل وتجدد الإيمان بمستقبل الأمّة.
فالاحتفالات التي تُقام في هذه المناسبة ليست مجرد تجمعات عابرة، بل لقاءاتٌ يتجدّد فيها الشعورُ بالانتماءِ إلى النهضة. يجتمع فيها الناس بفرح واعتزاز ليعبّروا عن محبتهم للزعيم الذي جسّد في حياته معنى العطاء والتضحية، وليؤكّدوا في الوقت نفسه إيمانهم بالمبادئ التي حملها.
بهذا المعنى يصبح الفرح في الأوّل من آذار تعبيرًا عن روحٍ جديدةٍ وُلدت في الأمّة مع ظهور النهضة القومية الاجتماعية. إنها روح تؤمن بالحياة وترفض الاستسلام للانحطاط، وتتطلّع إلى مستقبلٍ أفضل تسوده الحرية والكرامة والتقدّم.
ولهذا ترسّخ الأوّل من آذار في وجدان القوميين الاجتماعيين عيدًا للفرح القومي، لأنه يجمع بين الوفاء للزعيم والإيمان بالمبادئ التي أطلقها، ويذكّر دائمًا بأن النهضة لم تكن مجرد فكرة، بل حدثًا عظيمًا في حياة الأمّة، لأنه أعاد إليها الثقة بنفسها وفتح أمامها طريق النهوض.
خامسًا: الأوّل من آذار كتقليد نهضوي
مع مرور السنوات ترسّخ الأوّل من آذار في حياة الحركة القومية الاجتماعية بوصفه تقليدًا نهضويًا متجدّدًا. فالمناسبة لا تُستعاد بوصفها حدثًا من الماضي، بل بوصفها لحظةٍ يتجدّد فيها معنى النهضة في وجدان أبنائها.
إن تكرار الاحتفال بهذه المناسبة عامًا بعد عام جعلها جزءًا من الذاكرة الحيّة للحركة، إذ يتعرّف من خلالها كل جيلٍ جديد من القوميين الاجتماعيين إلى المعاني التي قامت عليها النهضة، وإلى الطريق الذي رسمته.
وبهذا المعنى أصبح الأوّل من آذار حلقةَ وصلٍ بين الأجيال، يربط بين بدايات النهضة ومسيرتها المستمرة، ويذكّر دائمًا بالغاية التي انطلقت من أجلها: حياة الأمّة ورقيّها.
خاتمة
تكشف ظاهرة الاحتفال بالأوّل من آذار عن معنى عميق في حياة النهضة القومية الاجتماعية. فهذه المناسبة تجمع في آنٍ واحد بين ثلاثة معانٍ مترابطة: الإيمان بالمبادئ التي أعلنت النهضة، والوفاء للتضحيات التي رافقت مسيرتها، والفرح بالروح الجديدة التي وُلدت في الأمّة معها.
ولهذا لم يبقَ الأوّل من آذار مجرد ذكرى ميلاد، بل أصبح مناسبةً يتجدّد فيها الشعور بالانتماءِ إلى قضية واحدة والعمل من أجل غاية واحدة. ففي هذا اليوم يستعيد القوميون الاجتماعيون معنى النهضة التي أطلقت إرادة الحياة في الأمّة، ويجدّدون ثقتهم بقدرتها على النهوض والتقدّم.
وهكذا يبقى الأوّل من آذار حاضرًا في وجدان أبناء النهضة، لا بوصفه ذكرى من الماضي، بل علامةً متجدّدة على أن طريق الحياة التي أعلنتها النهضة ما زال مفتوحًا أمام الأمّة.
[1] سعاده في أول آذار، خطاب 1943، ص 75.
[2] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد السابع 1944 – 1947، “حديث الزعيم إلى مجلة “الكوكب”، الشمس، بيروت، العدد 290، 20/08/1947.
[3] سعادة في أول آذار، ص 7.
[4] المرجع ذاته، ص 98.
[5] المرجع ذاته، ص 98.
[6] المرجع ذاته، ص 101.

