ترويج الصخب

الصخب الاجتماعي، هو نوع من فقدان الاجتماع البشري لأدوات التعبير، عن الذات بما هي مجموعة احتياجات بشرية، قابلة للتحقق بواسطة المؤسسات، وفي حال فقدان المؤسسات، وجوداً أو فعاليةً، يلجأ الاجتماع البشري إلى الصخب، كتعبير عن الاختلال الهائل في امتلاك المعرفة، وهو بالضبط تعبير عم  المسافة التي تفصل العلم عن المعرفة، والتي تثير كل هذا الصخب لإنها تشكل إعاقة ذاتية عن تحقيق أو إنجاز ما هو مرتجى من العلم، وهذا ما تلجأ إليه كل أنواع السلطات (سياسية أو غيرها) بإثارة الصخب، لإنها لم تستطيع تحويل علمها بوظيفتها إلى ممارسة على أرض الواقع، وهذا أسوأ ما في الأمر، فهذا العقم يستثير الحنق، الذي لا يلبث أن يتحول حقداً، يتوزع على كل أنواع الكراهية غير المجرّمة وغير المحاسب عليها، لتبدأ الأخطاء بالتراكم، متحولة إلى خطايا بسبب استنقاعها في حضيض القيم البشرية، مع غطاء سميك من الصخب الاجتماعي. الذي يتمثل في الإعلام، حيث تفرض جحافل الذباب الإلكتروني (مثالاً للتبسيط) وحدها، إجماعاً على الجهالة، كاستفتاء عددي حول الحقيقة، وهو احتكام جهول على طريقة غاليليو، يؤدي إلى نتائج خاطئة، مثل التعاقد على تحمل الكارثة القادمة، الواضحة علمياً للعيان، ولكنها مجهولة معرفياً، بسبب فقدان أدوات منعها أو مواجهتها، هذا في حال وجدت النية لذلك، أو حتى القيم الكافية لدرء الكارثة، بسبب فقدانها الأكيد من بنية التسلط، التي تعرض تعاقداً إذعانياً على اجتماع بشري لم يجرب المعرفة، في سياق إدارة حياته البشعة، خوفاً من الحصول على أبشع منها، وهذا ما يحدث في الغالب.

عندما ينوجد الصخب، يعني تماماً، أن هناك كواليس، وكذب، وحقائق مخفية، لا يمكن لاستبداد الجهر بها، ليس لإنها تهدد وجوده، فهذا إحتمال ضعيف، ولكن من أجل تسميك غطاء الصخب، من أجل إخفاء حقائق جديدة، تزيد من إذعانيه العقد الاجتماعي الذي يفرضه على اجتماع بشري غامض وقلق، وليزيد من الإشارة إلى غوغائية الشعب الصاخب الذي لا يمكن حكمه إلا «بالصرماية»، وكأن الشعب هو موضوع الحكم (وهو غير الإدارة على أية حال)، وليس مجموعة الإجراءات التي تسعى لحماية مصالحه وحفظ كرامته. وعليه يبدو الصخب هو درع لحماية الاستبداد، وإبعاده عن التعقل في مواجهة الاستحقاقات الطوعية (واجباته)، ليبدو الصخب  كتغطية، على عملة طاولات القمار، التي لها قيمة داخلية، ولكن لا يمكن صرفها خارج صالونات الميسر، ومن هنا لا يمكن الاستبشار خيراً، بأي أمر يتم بحضور الصخب، بل على العكس من ذلك، فجميع المجاعات والمجازر والانتهاكات والانهيارات الاجتماعية، جميعها تمت بتغطية من هذا الصخب، المروض تحت أنظار المستبدين، بحجة امتلاكهم العضوض للسلطة، دون أية مراجعة للفشل الاجتماعي الذي يحصد نتائجه وطن بلا مواطنين، يبتعد بسرعة هائلة عن ضرورات الشبع والمنعة.

الصخب لا يجعل الدستور دستوراً، ولا القانون قانوناً، ولربما رمي بهما في أول مزبلة على قارعة الطريق، بسبب افتراقه عن المعرفة كأفعال علمية دنيوية، قابلة للتجريب، والتقييم والتربية، لا يعني شيئاً دستور أنتجه الصخب، ولد في حالة صخب، ويطبق بصخب، إذا كان هذا الدستور يحمل داخله آلاف الأسئة تعليقاً وتساؤلاً وتفسيراً، حيث بإمكان استصدار قانون وعكسه منه، فالحالة المعرفية للصخب، لا يمكنها إنتاج أحسن منه، وهو ما ينعكس حتماً على الاجتماع البشري ونوعه ودرجته وتصنيفه، فالمساواة (مثلاً) قيمة عليا تأسيسية، تنفي عن الدستور معرفته، في حال مجرد خدشها، وكذلك القيم الأخرى من حرية وعدالة إلخ، وبالتالي لا يبدو الدستور دستوراً في حال خدش (مجرد خدش) قيمه المعرفية المستقاة من التجربة البشرية الكبرى، وإلا سيصبح الطريق إلى سينغافورة، ينتهي بالصومال، والمسألة مسألة وقت فقط، فالذهاب إلى سينغافورة يقتضي ليس مجرد «العلم» بوجودها، بل «معرفة» الطريق إليها، والقدرة على ممارسة السير نحوها، وهذا ما يجبّه الصخب، وكأنه قاطع طريق، لا يعرقل السير فقط، وإنما يلغي الرحلة من أساسها، في حال كانت النية صادقة بالتوجه إليها.

الصخب هو اختلال معرفي، بمعنى موقف ترويضي تجاه العلم، والعلم لا يروض، بل يتطور ويرتقي، والإنسان الراقي، غير المتهمج، هو من يعرف أن يتعاطاه على سبيل المصلحة الراقية المعايرة بالإنجازات البشرية المنظورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *