صباح يوم الثلثاء، أعلن وزير الحرب الصهيوني ما كنا نتوقعه من مدة طويلة: إقامة منطقة أمنية عازلة إلى الجنوب من نهر الليطاني، ومنع عودة كل السكان الذين نزحوا منها بفعل العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان.
وبعد ظهر يوم الثلثاء، أعلن وزير الخارجية اللبناني أن حكومة نواف سلام تعتبر السفير الإيراني في لبنان شخصاً غير مرغوب به وطلبت منه مغادرة البلد خلال مهلة أيام.
وعند مساء الثلثاء، هبّت الطائفة الشيعية في لبنان رافضة هذا الإجراء بحق السفير الإيراني. ووقفت إلى جانبها مجموعة من القوى السياسية والأحزاب القومية والوطنية.
إنه يوم عصيب ومفصلي في حياة (أو موت!) الكيان اللبناني. فثمة حقائق دامغة لم يعد بالإمكان تجاوزها بخلطة سحرية تستوحي عناصرها من نفاق خبيث وتعايش كاذب وسيادة مرهونة وعمالة موصوفة.
الجنوب اللبناني محتل، نقطة على السطر. والإطماع الصهيونية معروفة لكل من يعي ويدرك أبعاد ومخاطر المشروع الصهيوني. لا وقت عندنا نضيعه لإقناع من لا يتعظ من دروس تاريخنا المعاصر. وليس اللجوء إلى التفاوض المباشر مع العدو سوى صيغة أخرى للخنوع.
ما أقدم عليه العدو الصهيوني وما يضمره للمستقبل هو مسألة وطنية أولاً وأخيراً. وفي هذه الحالة يتجاوز أصحاب الوجدان الوطني والقومي التناقضات السياسية للوقوف صفاً واحداً متراصاً في وجه أطماع عنصرية لن تفرّق بين جماعة وأخرى… والتاريخ خير شاهد على ما نقول.
التركيبة الحكومية فقدت صفتها التمثيلية. وقد جاء قرارها بإبعاد السفير الإيراني، مع كل ما يعنيه ذلك من اشكالات مذهبية داخلية، ليضعها في صفوف الحلف الأميركي ـ الصهيوني.
في هذه المرحلة حيث ينظر خلالها اللبنانيون إلى أتون الحرب الداخلية، كما يخطط لها العدو، ضاقت الخيارات المتاحة أمامنا جميعاً. إما أن تكون مع أرضك وشعبك وتقاتل لتحرير الجنوب (وغير الجنوب طبعاً)، وإما أنك في المعسكر المعادي. ولن تكون “الهوية المذهبية” مقياساً للحكم على المواقف.
منذ التحرير الأول سنة 2000، تعلمت الدولة الصهيونية كثيراً من الدروس والتجارب، وعادت إلينا بأساليب جديدة. وإذا كنا نحن قد تعلمنا شيئاً، واستفدنا من الخبرات القاسية التي مررنا بها، فالدرس الأول والأبرز هو التالي:
لا مقاومة وخلفك عدو داخلي،
لا مقاومة في ظل صفقات سياسية،
لا مقاومة من دون مشروع سياسي وطني ولا طائفي.
كل مواطن هو شريك في حفظ الكرامة الوطنية والقومية، وهو معني بالتحرر الكامل لكي يصنع مستقبلاً يفتخر أحفادنا وأبناؤنا به. أما الذين يتخلون عن واجباتهم القومية ويسيرون عكس الإرادة العامة، فوحدهم يتحملون حكم الأمة وحكم التاريخ.
قد يتطلب الأمر خطوات حاسمة وحازمة ومؤلمة، أي الفرز الوطني الشامل. ولعل يوم الثلثاء يمنحنا الفرصة المناسبة للتخلص من منغصات دفعنا بسببها خيرة شباب هذه الأمة.

