في استعراضٍ متأمِّل لتوالي السنين على الاحتفال بالأوّل من اَذار، ذكرى مولد انطون سعاده، يرتسم على شاشة الذاكرة، وبحنينٍ شجيٍّ، زمنُ البدايات. انّه الزمن الذي كانت الذكرى فيه تألُّقَ ايمان ولهبًا في الوجدان. كان المحتفلون يُحيُونَ المناسبة بنارٍ يُشعلونها على قمم الجبال تعبيرًا رمزيًّا متوارثًا في تاريخ الأمّة مُضافًا اليه، من مفاهيم النهضة معناه الجديد. والجديد، هنا هو ما أضفاهُ عليه قولُ المحتفى بذكراه حين أوضح أنّ نهضته «جاءت لتُحرق ولتضيء لتحرق كلّ من يقف في سبيلها، ولتحرق حتّى من أتى بها ولتُضيءَ لأمّةٍ ظنّها أعداؤها منقرضة.»
اليوم، وفي مقارنة سريعة بين واقعٍ زريٍّ وما كان يُتوقَّع للخلاص مما يحيط بنا من رزايا أمّةً وحزبًا وكياناتٍ مُشلّعة، يواجهُ الصابرين الصامدين على الخطّ الفاصل بين النهضة وجاهليّات ما قبلها، سؤال: أيصحّ الاحتفال بالذكرى ونحن على ما نحن عليه من انقسام ومن سوء حال؟
ولكيلا نقع في متاهة البحث عن جواب، نرى مفيدًا التذكير بأنّ سعاده نفسه طلب الغاء الاحتفال بذكرى مولده سنة 1948، تعبيرًا رافضًا للجاري يومها في فلسطين.
ولكيلا نقع فيما لا طائل تحته من طول كلام، لا بدّ من التذكير بأنّ للذكرى، عند الذين «لا يقصدون في الحياة لعبًا»، معنًى غير الذي ألفهُ المُطوِّفون حول الأصنام والأوثان سواء حملت أسماء هبل وعزّى واللات ام حملت أسماء مستعارة جديدة … لقد بدّلت النهضةُ وغيّرت، لا الألفاظ كمباني، بل جوهر المعاني. ولطالما التبس ولا يزال على كثيرين منّا المفهومُ الحقيقي لأذار موضوع الاحتفال. أبذكرى اَذار 1904 أم بأذار1935 يصحّ احتفالُنا؟
لئن كان كلا التاريخين يتّحدان اتّحاد اللاهوت بالناسوت الّا أنّ قاموس الانسان الجديد يفيد بأنّ الاحتفال الحقّ ليس بالوليد الذي أبصر النور 1904، بل بما تولّد عنه من نور أشعّ باهرا من القسم الذي أدّاه سعاده في الأول من اذار 1935 أمام بعض الرفقاء الذين جاؤوه معيدينه يوم مولده. بادرهم مقسما قسمه الرسولي وكأنّه يقول لهم: لِ هذا ال أنطون سعاده تعيّدون. ومن يتأمل في مضمون قسمه يدرك ان تاريخ العظماء لم يعرف له مثيلا. قدر النهضات العظمى أن تستمر ابداعا متواصلا ونارا لا ينطفئ جمرها ، أو هي صائرة سؤالًا بلا جواب وخبرا في كتاب .

