في الأول من آذار لا نحيي ذكرى رجل فقط، بل نراجع معنى النهضة.
هو يوم ولادة أنطون سعاده، الرجل الذي قال بوضوح:
«إن فيكم قوة لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ».
لم يكن يخاطب جمهوراً يبحث عن عاطفة، بل شعباً يبحث عن وعي سعاده لم يؤسس حزباً ليكون ردّ فعل على حادثة، ولا ليستثمر في غضب الناس، بل أسّس مشروعاً متكاملاً: أمة لها وحدة حياة، دولة مدنية تفصل الدين عن السياسة، نظام يقوم على الإنتاج لا الريع، وسيادة لا تُستجدى، بل تُنتزع انتزاعاً.
قال: «الحياة وقفة عزّ فقط»
ولم تكن العبارة شعاراً، بل تعريفاً لموقف وجودي: إما أن تكون سيد قرارك، أو تكون تابعاً.
ويأتي الأول من آذار هذا العام بعد أن مرّ عام تقريباً على ذكرى استشهاد السيد، وعلى مشهد التشييع الكبير الذي شهدناه آنذاك. ذلك المشهد لم يكن مجرد وداع لشخص، بل كان إعلاناً جماعياً عن تمسك بفكرة، وعن ارتباط عميق بالأرض والهوية والكرامة.
لكن الأول من آذار يفرض سؤالاً أعمق:
هل نحفظ الدم بالفكرة؟ أم نحول الدم إلى ذاكرة عاطفية فقط؟
سعاده استشهد لأنه رفض أن يساوم على مشروعه. لم يطلب شفقة، ولم يقدّم تنازلاً. وحين وقف أمام الموت، كان ثابتاً على مبدأ الدولة السيادية الحرة. لذلك بقيت فكرته حيّة.
الفكرة لا تحيا بالبكاء عليها، بل بالعمل لها. ولا تُصان بالهتاف، بل بالتنظيم.
في زمن تتقدم فيه الشعبوية على الإصلاح، ويُختصر العمل القومي في ردود فعل آنية، يعيدنا الأول من آذار إلى الأصل:
الأمة مجتمع حيّ، لا جمهوراً غاضباً. الدولة كيان سيادي، لا ساحة صراع فئوي.
والنهضة مشروع طويل النفس، لا موجة موسمية.
قال سعاده:
«نحن نحب الحياة لأننا نحب الحرية». والحرية لا تُمنح، بل تُبنى.
الأول من آذار ليس ذكرى ميلاد فقط.
هو تذكير بأن الفكرة إن لم تتحول إلى نظام حياة، تذبل.
وأن الدم إن لم يُحمَ بوعي سياسي منظم، يتحول إلى قصة تُروى.
النهضة مسؤولية.
والأمة التي تعرف نفسها، لا تموت.
د. طارق سامي خوري ـ العضو السابق في البرلمان الاردني

