الاحتفاءُ بمولدِ سعاده في كلّ أوّل آذار ليس حدثاً عابراً ولا ذكرى عاديّة ولا طقساً طبيعيّاً، ذلك أنّ الاحتفاء بالزعيم تذكرنا بالعودة دوماً إلى قراءة نصِّه لأنّه القولُ الفصلُ في فهم العقيدة وشرحها، فالبساطةُ والسهولةُ معلَمان أساسيّان في كلّ ما سطّره سعاده، محاضرةً وخطاباً وبياناً ورسالةً، وإنْ جنحَ أسلوباً إلى براعة ترسّل لا شبيهَ لها في الأدب السوري في النصف الأوّل من القرن العشرين، ذلك أنّ سعاده صقلَ العقيدة السورية القومية الاجتماعية من فهمه الأعمّ لمفكّري جبل لبنان، من البستاني والشدياق إلى جبران والريحاني مروراً بفرح أنطون وشبلي شميّل، ولكن إثر درس وتمحيص لآثارهم، لا يخلوان من نقدٍ وتحليلٍ، فجاء فكرُه منذ 1921 نعمَ المُقتنى والمُقتفى، فأنارَ الدربَ لآجالٍ مديدةٍ لاحقة في بلاد الشام، مُستنداً إلى وعيه النابِه لأثرِ تضاريسِ الجغرافية على مَجرى التاريخ في نشأة المتّحد، صلب ما أرساه الزعيم في بنية الأُمّة السورية.
الاحتفاءُ بمولدِ سعاده ردُّ اعتبارٍ إلى مؤسِّس الحزب السوري القومي الاجتماعي وواضع دستوره ومشرِّع عقيدتِه، جملةً وتفصيلاً، على مدى عقدين والمنقلب بحقّ على النظام الطائفي، فأطاح به منطقيّاً قبلَ أن يطيحَ به تاريخيّاً، وإلى الأبد، فدكَّ تركيبتَه العوجاء، وها حتى الساعة لم ينجُ النظام من بأس عقيدتِه وسطوةِ فكرِه، فأضاء بغيابِه على النصف الثاني من القرن العشرين.
هو سعاده الخالد هو الذي أعلمَنا في محاضرته الأُولى أنّ الثقافةَ عملٌ طويلٌ لا يُمكن أن يتمَّ برسالة واحدة أو كتابٍ واحد، إذ أدركَ بحقّ أنّ الوعي الصحيح يحتاجُ إلى تفصيلٍ وتوضيحٍ، فلا يتمُّ إلّا بالدرس المُنظّم، وفي قولِه هذا أنقذَنا من الكلام المُبعثر المندرج تحت خانة ما أسماه الفخفخة السياسية والميعان الفرديّ، فلا طائلَ تحتهما ولا جدوى منهما، وعليه فالاحتفاءُ بميلاد سعاده ردُّ اعتبار إلى درس عقيدتِه بصبرٍ وأناةٍ، فهي الخروج من التفسّخ الروحي إلى الوحدة الماديّة.
محمود شريح

