هل نحن على مستوى الرسالة؟

في مطلع القرن العشرين، كانت سورية تعيش حالةً من الفوضى والتفسّخ الروحي والتفكّك العميق؛ جسدٌ سياسيٌّ ممزّق، وكياناتٌ ضعيفة، ومجتمعٌ تتنازعه العصبيّات، وعقولٌ تتخبّط بين ماضٍ فقد فاعليّته وحاضرٍ لم تتّضح معالمه. كانت الأمّة رازحةً تحت سطوة السلطنة العثمانية والإرادات الخارجيّة ومشاريعها، وقد فقدت ثقتها بنفسها وبقواها وإمكاناتها. مجاعةٌ وحصارٌ وعذابٌ وحزنٌ وكوارثٌ متتالية، وانحطاطٌ في المناقب قلّ نظيره، ومعنويّاتٌ محطّمة تحت ظلمة الخمول، ونفسيّةٌ عامّة يغلب عليها الخوفُ والجبنُ والتهيّبُ والتهرّب؛ فيما اختلطت السياسة بالدين، والاجتماع بالسياسة، وغاب الاقتصاد كقوّةٍ منظِّمة لحياة المجتمع. ولم تكن الأمّة تملك مؤسّساتٍ قوميّةً صالحة تعبّر عن إرادتها أو توجّه طاقاتها، بل كانت الساحة متروكةً لموروثاتٍ تقليديّة وزعاماتٍ عاجزة عن إنتاج رؤيةٍ جديدة.

في ذلك الزمن، لم تكن الحاجة إلى قائدٍ تقليدي أو خطيبٍ عاطفي، بل إلى فكرٍ جديد يعيد تعريف الإنسان وهويته، ويبني المجتمع والدولة على أسسٍ متجددة، ويعيد إلى الأمّة ثقتها بذاتها. ومن قلب هذا الواقع الممزّق، وُلِد في الأوّل من آذار عام 1904 “فتى الربيع” – أنطون سعاده – الذي أطلق سؤاله: «من نحن؟» سعيًا إلى إزالة أسباب الويل عن شعبه، فحوّل هذا السؤال إلى مشروع، واليأس إلى إرادةٍ وثقة.

لا يُختزل الأوّل من آذار بكونه تاريخَ ولادةِ شخصٍ اسمه أنطون سعاده، بل يُقرأ بوصفه تاريخًا لولادة عقلٍ تجلّت فيه العبقريّة في وقتٍ مبكر؛ عقلٌ مبدعٌ آمن بعظمة أمّته ومواهبها، فحمل إليها فكرًا تغييريًّا وأملًا جديدًا بأن تنهض من سباتها الطويل، وأن تعيد اكتشاف ذاتها حقيقةً حيّةً في التاريخ، فتنتقل من الموت إلى الحياة، ومن التبعثر إلى البناء، لتنهض نهضةً شاملة يُستعاد معها دورها الحضاري والإنساني، وتغدو أمّةً جديرةً بالحياة والانتصار.

لم تكن فرادة أنطون سعاده في الذكاء وحده، ولا في سعة الاطّلاع، بل في قدرته النادرة على تحويل الوعي إلى إرادة، والإرادة إلى فعل. رأى ما رآه كثيرون قبله من أزماتٍ وتفكّكٍ وضياع، لكنّه لم يكن من الذين يتأوّهون أو يلجأون إلى الرثاء، بل كان همّه آلام أبناء أمّته، وهو القائل: “يجب أن أنسى جراح نفسي النازفة لكي أساعد على ضمد جراح أمّتي البالغة”. لذلك انفرد بإقامة مشروعٍ إنقاذ قوميٍّ نهضويّ على أساسٍ علميٍّ ومناقبيّ. كان يمكن له أن يعيش حياةً آمنةً هادئةً مستكينًا في ظلال السلامة، لكنّه اختار طريقًا آخر: طريق المواجهة والبناء، طريق النهضة التي تقود إلى حياة “أرقى وأفضل وأجمل”.

لقد حقّق أنطون سعاده معجزةً سمّاها «أعجوبة الدهر»، ولم يكن يقصد بها شخصه في ذاته، بل ما أحدثته تعاليمه في أمّةٍ مشرذمة؛ إذ استطاع أن يجمع فئاتٍ متباعدة واتّجاهاتٍ متناقضة في بوتقة عقيدةٍ واحدة، وأن يزرع في نفوس أبنائها شعورًا جديدًا بالانتماء والمسؤوليّة. هنا تتجلّى العجيبة الحقيقية: في القدرة على صهر الولاءات في ولاءٍ واحد هو للأمّة، وتحويل التفرّق إلى وحدة، والضياع إلى هدف، واليأس إلى إرادة.

لم يكتب أنطون سعاده مشروعًا ليُحفَظ في الكتب؛ فالنهضة، في نظره، ليست أفكارًا تُقرأ فحسب، بل أفعالًا وصراعًا وشجاعةً للانتقال من الشكّ والبلبلة والفوضى والتشرذم إلى اليقين، والوضوح، والنظام والوحدة. وهي لا تقوم على الانفعال، بل على المعرفة التي هي الشرط الأوّل لتحرير الإنسان من الخوف والخرافة والتبعيّة، ولا تقوم على الأمنيّات والشعارات، بل على التنظيم والعقيدة الواضحة. إنّها حياةٌ تُعاش بكلّ نفسٍ وفعل، ولذلك جسّد سعاده قيم النهضة في أدقّ تفاصيل حياته، مُصرًّا على أن يكون المثال الحيّ لما يدعو إليه.

ما استشرفه في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي أصبح حقائق ماثلة أمام العيون: أمتنا اليوم مثقلة بالكوارث والهزائم وفي حالة تشلّعٍ وتراجعٍ وضياعٍ كبير. هي خاضعة لاحتلالاتٍ متعدّدة ومحاطة بأخطارٍ وتحدّياتٍ جسيمة – من تفكّكٍ وضعفٍ وضغوطٍ خارجيّة وصراعاتٍ داخليّة وأزماتٍ اقتصاديّة واجتماعيّة – وكلّها تتفاقم يومًا بعد يوم. ولا إنقاذ من هذه الحالة إلا بمشروع النهضة.

لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم: أين نحن من هذا المشروع؟ ماذا أنجزنا منه، وماذا أهملنا؟ أين نحن من جرأة تفكير أنطون سعاده ووضوح رؤيته، ومن أخلاقه وتضحياته؟ أين نحن من تلك القدرة على تقديم النظام على الفوضى، والمصلحة القوميّة على أنانيّات الأفراد، والوحدة على الانقسام؟ أم اخترنا أن نبقى كما نحن: نُجيد الكلام ونعجز عن الفعل، ونكتفي بالشكوى والانتظار؟

لقد علّمنا أنّ النهضة ليست قرارًا يُتّخذ مرّةً واحدة، بل مسؤوليّة يوميّة، وأنّ الوعي القومي لا قيمة له إذا لم يتحوّل إلى التزامٍ في السلوك والعمل، وأنّ الحرية لا تُمنح لمن ينتظرها، بل تُنتزع ممّن يؤمن بها ويستحقّها.

فماذا فعلنا نحن بهذا الإرث؟ هل حوّلناه إلى قوّةٍ حيّة في مجتمعنا؟ أم تركناه يتراجع إلى مستوى الذكرى والخطاب الاحتفالي؟

إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروعٍ نهضوي هو أن يتحوّل من قضية حيّة إلى مناسبة رمزية. ومن هنا تنبع مسؤوليتنا اليوم؛ فالأوّل من آذار يجب أن يكون لحظة مراجعة صادقة، نسائل فيها ذواتنا: هل ما زلنا أوفياء للرؤية التي انبثقت مع ميلاد سعاده؟ أم اكتفينا بترداد اسمه من دون أن نحمل مشروعه ونترجمه فعلاً في حياتنا؟

فالأمم التي تفقد إيمانها بذاتها تتحوّل إلى مادةٍ في مشاريع الآخرين. ومن هنا، فإنّ الوفاء الحقيقي لسعاده لا يكون في تمجيد شخصه، بل في الاقتراب من جوهر مشروعه: في الصدق مع النفس، وفي تحمّل المسؤولية، وفي تحويل القيم إلى ممارسة يومية في الفكر والعمل والسلوك.

إنّ النهضة التي بشّر بها لم تكن حدثًا عابرًا في التاريخ، بل دعوةً دائمةً إلى أن نحيا أحرارًا بوعيٍ وإرادةٍ ونظام. فإمّا أن نحمل هذه الدعوة ونحوّلها فعلًا في حياتنا، وإمّا أن نتركها تتلاشى في ضجيج المناسبات…

والخيار لنا: إمّا أن نكون على مستوى الرسالة، أو أن نظلّ خارج مسارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *