في الأول من آذار 1904 وُلد أنطون سعادة، لكن ما وُلد يومها لم يكن طفلاً عادياً في قرية جبلية، بل رؤية صادمة لواقع أمة ممزقة. رؤية قالت إن الأمة ليست طوائف متجاورة، ولا كانتونات خائفة، ولا جماعات تبحث عن راعٍ خارجي، بل مجتمع حيّ له وحدة أرض ومصير.
أسّس سعاده الحزب السوري القومي الاجتماعي ليكون ثورة على الفوضى الفكرية قبل أن يكون تنظيماً سياسياً. كان يدرك أن الانحطاط يبدأ حين تتحول السياسة إلى صراع مصالح، وحين تُختزل الأمة في أشخاص أو سلطات أو شعارات جوفاء.
اليوم، بعد كل ما مرّت به سورية من حروب، انهيار اقتصادي، تهشيم اجتماعي، واستنزاف سيادي، يعود سؤال سعادة أكثر إلحاحاً: أين الدولة؟ وأين الأمة؟ وأين القوى التي تدّعي تمثيلها؟
نقد المرحلة: حين تحوّل الوطن إلى ساحة
الحقيقة القاسية أن العقود الماضية شهدت تآكلاً عميقاً في مفهوم الدولة. تحوّلت السياسة إلى إدارة أزمات لا صناعة مستقبل. تراجعت العدالة أمام المحسوبيات، وغابت الكفاءة أمام الولاءات، وتقدّم منطق الأمن على منطق البناء.
ثم جاءت الحرب ففضحت هشاشة البنية:
تفكك اقتصادي، هجرة عقول، تصدّع اجتماعي، وتمدّد نفوذ خارجي جعل القرار الوطني رهينة توازنات لا تعبّر عن مصلحة الأمة.
في المقابل، لم تكن المعارضة بأحسن حال؛ إذ انجرفت أجزاء واسعة منها إلى ارتهانات أخرى، ووقعت في فخ الشعارات دون مشروع جامع. وهكذا، وجد السوري نفسه بين سلطات متنازعة، وكلّها تدّعي الخلاص، فيما الوطن ينزف.
لو كان سعادة حياً اليوم، لما اكتفى بإدانة طرف ضد آخر. كان سيعتبر أن الخلل أعمق: خلل في الوعي القومي نفسه، في فهم معنى الدولة، وفي إدراك أن الحرية بلا نظام فوضى، وأن النظام بلا عدالة استبداد.
ماذا كان سيفعل سعادة اليوم؟
أولاً، كان سيعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها مؤسسة سيادية جامعة، لا أداة بيد فئة ولا غنيمة حرب.
ثانياً، كان سيطرح مشروع إنتاج اقتصادي حقيقي يحرر المجتمع من التبعية والريعية.
ثالثاً، كان سيشدّد على إصلاح حزبي داخلي صارم، لأن الحزب في فكره قدوة في الانضباط قبل أن يكون صوتاً في الشارع.
رابعاً، كان سيواجه النزعات الطائفية والمناطقية بجرأة فكرية، معتبراً أن أخطر ما يصيب الأمة ليس الفقر، بل الانقسام النفسي.
سعادة لم يكن رجل مساومات تاريخية، بل رجل وضوح عقائدي. لذلك كان سيختار طريقاً صعباً: بناء طويل النفس، لا رهانات سريعة.
بين الفكرة والمسؤولية
في ذكرى ميلاده، لا يكفي أن نستعيد صوره وخطبه. السؤال الأصعب:
هل نحن أمناء على مشروعه، أم حوّلناه إلى طقس سنوي؟
إن الأمة التي تتذرّع بالمؤامرات لتبرير عجزها، تفقد حقها في النهضة. والأحزاب التي تكتفي بالخطاب دون فعل تنظيمي أخلاقي، تتحوّل إلى ظلال باهتة لأفكارها.
سعادة علّم أن النهضة فعل إرادة. والإرادة لا تُستعار.
في الأول من آذار لا نحتفل بذكرى، بل نقف أمام محكمة الفكرة.
لو كان سعادة بيننا اليوم، لما سأل من يحكم، بل كيف يُحكم. ولما سأل من ينتصر، بل ماذا يبقى من الأمة بعد الانتصارات والهزائم.
كان سيقول إن الأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تُحمى بالارتهان، ولا تُنهض بالشعارات.
الأوطان تُبنى برجالٍ ونساءٍ يؤمنون أن الكرامة نظام، وأن الحرية مسؤولية، وأن السيادة قرار داخلي لا يُستورد.
الأول من آذار ليس ذكرى ميلاد رجل…بل امتحان أمة.
فإما أن نكون على مستوى الفكرة وإما أن نعترف أننا ما زلنا نبحث عن زعيم،
حين المطلوب أن نكون نحن مشروع الزعامة.
ابراهيم الدّن

