هل مَن حَبَك عيونَ الشّبكة كَمَن وَضَعَ الثّقُوبَ فيها؟

زمنيًّا، كان مولد أنطون سعادة في الأول من آذار عام 1904. تاريخيَّا، كان مبعثه في الثامن من تموز عام 1949.  فكان بين مولده واستشهاده زمنُ الرجل الذي يعيشه الرجال، وما بعد ذلك فالتاريخ كان المتكلم الوحيد. وتاريخيًا… فنحن في عُسرٍ شديد.

نحن لا نعرف زمنًا محسوبًا للأرض يومَ مولدها، ولكننا نعلم أن الزمن الذي خرج من الأرض كي يتأنسن، كان قد شهد تأنسنه في أريحا. وتاريخيًا، فهذا يعني أن التاريخ الإنساني من هنا كان قد بدأ. أريحا في نوبةِ ألمٍ عميقٍ اليوم؛ هذا الألمُ الذي لا ينجمع إلا متى تسمَّم الزمنُ، أو دخله من العناصر ما لا يناسبه.

الفرس قديمًا، كانوا كلما نظروا غربًا، قالوا إنهم إنما ينظرون إلى ما وراء النهر، عانين بذلك كلَّ ما هو موجود وراء الفرات وصولًا إلى البحر، وهذا بالضبط ما كانوا يرون.

وأما وجهتُنا فهي أرضُ الشام، فهذا كان قولَ أهلِ مكةَ، كلما خطوا خطوةً خارج مكة باتجاه الشمال، ذلك وصولًا إلى جبال الأناضول.

الإغريق وجدوا أنفسهم في سوريا، فلم يحتاجوا إلى الاستعانة بأي شيءٍ آخر عندما سمّوا الأرض باسمها.

والرومان من بعدهم، ساروا المسارَ نفسَه، وسوريا كان الاسمَ الذي سمّوها به، فحافظوا على إرث الإغريق، متأقلمين مع الأرض تأقلمهم فيها.

وإذا ما اتجهنا جنوبًا نحو أرض وادي النيل، فسوف نجد أن أهلها كانوا قد أطلقوا اسم “رتنو” على الأرض المحيطة بهم من الشمال الشرقي لبلادهم، ولم تكن لدينا من وسيلةٌ لمعرفة ماذا كانوا يعنون بهذا الاسم، غيرَ أن الصورَ التي اعتمدوها لتمثيل ما رأوا تمثّلت في أناس مُعافين بملابس زاهية، على أرض عامرة، مما يُوحي بإعجابهم بما رأوا، وانبهارهم بما أنتجته هذه الأرض.

وما نستخلصه من كل ما تقدم هو أن هؤلاء القدماء كانوا قد رأوا وحدة جغرافية متكاملة، معزَّزةً بنسيجٍ حضاريٍّ متماسكٍ ومتناغم، فأثبتوا شهادتهم على ما كانوا قد رأوا. وهذا على الأرجح ما كان قد عزَّز شهيتهم على متابعة أحوال هذه البلاد، فالاقتراب منها للاستيلاء عليها والاستقرار فيها متنعمين بخيراتها. لكن، وكما كان من الثابت كلُّ هذا، فلقد كان من الثابت أيضا استعدادُهم للانصهار الكامل فيها، مؤثرين ومتأثرين، فاعلين ومنفعلين فيما أنتجته هذه الأرض من حضارات متواصلة غير منقطعة. الأمرُ الذي عزَّز العالمَ القديم آنذاك بحضاراتٍ متنوعة، ومتداخلة، ولا يزال عالمُنا الحديث يرتوي من منابعها وإلى يومنا هذا.

الذين دخلوها ولم يكونوا قد رأوا فيها ما رآه هؤلاء من وحدة كاملة، ولم يتحلّوا بالاستعداد الذاتي للاندماج فيها، والتفاعل معها، كان السقوط حليفهم. الصليبون مثالٌ يخطر على البال في هذا المجال، والمغول أيضًا. فالأُوَل دخلوا الأرض غرباء، فبقوا فيها غرباء إلى أن طُرِدوا منها، وما من أثرٍ تركوه خلفهم غير ما هو وحشيٌّ تأنف منه الذاكرة. وكذا المغول، كان غرضهم الإغارة فالتخريب والتدمير والنهب والسرقة، إلى أن طُرِدوا من الأرض غيرَ مأسوفٍ عليهم أيضا.

وأما حديثًا، فإذا بواحدٍ من أولي العلم ينظر إلى هذه الأرض بعيني الباحث والمؤرخ، فيرى فيها ما يشبه الهلال، فسمّاها باسم ما رأى: الهلال. ولما وجد أن هذا الهلال كان خصيبا أطلق عليه اسم: الهلال الخصيب. كان هذا في العام 1916. ويا للمفارقة كيف أنه في العام نفسه كان هناك من تعقّب هذه الأرض، فلما رأى الهلال هلالًا جميلًا، سليمًا، ومعافى، أراد كسره، فعمل على تقطيعه إلى كيانات، زارعًا في جوفه كيانًا غريبًا، ممكِّنا إياه بمزيد من الكيانات تحيط به، ضمانًا لتعزيزه وتمكينه.

حتى الآن رأينا كيف أن العالم المحيط بهذا الهلال كان يُلقي عليه الصفات مُطلِقًا عليه ما أطلق من الأسماء، فكيف يا ترى نظر أهل هذا الهلال إلى أنفسهم، وإلى الهلال الذي هم فيه؟ هل تعاملوا معه كشعب واحد، في وحدة جغرافية متكاملة، أم شعوبًا متنافرة، في وحداتٍ جغرافيةٍ متناحرة، لا علاقة للواحدة منها بالأخرى؟ ومن الأسماء فما الأسماء التي اختاروها له؟

من المعروف أن نظام المدن كان نظامهم، وبمدنهم هذه واستقلالها اعتزوا، متباهين ومفتخرين، حتى باتت صفةُ الوحدة، والتكامل، صفتين ليستا من الصفات التي تصلح لوصف مدنٍ مكابرة كهذه، كان التّسابق والتزاحم والتنافس من أبرز سماتها. أوروك، أور، ماري، بابل، نينوى، أشور، إيبلا، أوغاريت، صور، صيدا، بيبلوس، أرواد… كانت هي الأسماء المتداولة، وما من اسمٍ جامعٍ واحدٍ كان يجمعها إلا ما كان يطلق عليها من جوارها في محيطها.

فهل يعني هذا أن قدر هذه البلاد قديما كان التنافر والفرقة والشرذمة والتآكل، كما الحال في أيامنا هذه؟

لو كان الأمر كذلك لما كانت هذه الأرض قد خلفت ما خلفته من إشعاعٍ حضاريٍّ لا تزال آثاره تعكس نفسها على العالم كله إلى يومنا هذا. أم نسينا أن هذه الأرض، لم تكن مركز إشعاعٍ حضاريٍّ وحسب، بل مهدَ حضارات الأرض جميعها؟ فكيف حصل ذلك، وهي المدن المستقلة المتزاحمة والمتناحرة؟ نعم، هذا تسابقُ وتناحر وتزاحُمها في رقعة القماش الواحدة؛ أو قل: هو من الشّبكة الواحدة بمكانةِ عيونها، تكمل إحداها الأخرى، وإلا فهي فجوات، كالفجوات التي نتألف منها اليوم، وتؤلفنا.

وتسأل الآن: ما علاقة كل هذا بمولد أنطون سعادة؟ والجواب هو أن ما من أحدٍ في اللغة العربية صاغ ما صاغه سعادةُ عندما صاغ تعبير “المتحد”. والمتحد هذا قد يتمثل بالحي، والقرية، والبلدة، والمدينة: عيون الشبكة. ثم “المتحد الأتم”، وهو كيانُ الشبكة المتكاملة.

فهل مَن حَبَك عيونَ الشبكةِ كَمَن وَضَعَ الثّقوبَ فيها؟

وهل مَن سعى إلى تكاملها كَمَن يسعى إلى تجويفها؟

سمير الأيوبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *