في هذه الذكرى الفريدة، الغالية على قلوب الكثيرين من أبناء النهضة وباعثها سعادة العظيم تتصارع الأفكار والذكريات وأكاد لا أنسى كل مرّة «عيّدت فيها هذا العيد»
الذي وحده من بين كل الأعياد يشعرني بالفرح وأقول في سريرتي، هذا هو البرهان أن «في التاريخ الجامد ثمة ما يحرّكه ويفعل المعجزات» حتى ولو كنّا نشعر أن زمنا جليديّا يحاصرنا بأغلاله ولا شيء يحرّكه أو يؤثر فيه، يحاصرنا ويخنقنا، ولكن يأتي فكر سعادة ليفكّ عنّا هذا الحصار!
هذا من حيث العاطفة والمشاعر الداخلية، أمّا من حيث المنطق العلمي أعتبر أن هذا الفكر موقعه في هذه النقطة من العالم هو فكر آني وملحّ في لحظة من لحظات التاريخ لأن عقيدة سعادة تبقى عقيدة مجيدة وأساسية في ظلّ التحوّلات الكبرى في تاريخ البشريّة والأحداث التي نعيشها.
أجل الذكرى في معناها الخالص جميلة ومبهجة ومهما توالت الأعوام ستزداد نضارة وتزيدنا اندفاعا وتصميما وفرحا يحيي قلوب السوريين القوميين الاجتماعيين.
ما أريد أن أشير إليه ههنا يرتبط ارتباطا عضويا بما يمثّله فكر سعاده، من حيث هو فكر متجدد دوما وُجد ليبقى حيّا آنيّا وحديثا في مواضيع السياسة والدين وعلاقة «المذاهب» الدينية بأنظمة الحكم والمواطنيّة، ومع الأسف الشديد نحن في الربع الأول من القرن 21 ولا زلنا مجبرين على استعمال عبارة مذاهب، هذه هي بوضوح «السّقطات» التي نود وأدها الى الأبد …
وعليه أحب أن أشير إلى كتاب سعادة المهم جدا: «الإسلام في رسالتيه»، كي نعود إلى قراءته مليّا إذ نعثر في هذا المؤلف على حلول منطقية للمسألة الشائكة التي أفرزتها الأديان في الوقت الراهن. من المعروف أن هذا الكتاب كان له شروحات كافية ووافية من قبل عقلاء ومفكرين وحزبيين ويشكرون على جهودهم، ولكن مع الأسف لم يعطَ حقّه أبدا من الناحية النقديّة الأكاديميّة الجّادة من حيث أن الذين انتقدوه فعلوا ذلك بدافع العداء والكراهية بعيدا عن البحث العلمي الموضوعي والمحايد، فالذي انتقده وهو يسيء إليه إساءة كبيرة مُعتقدا أنّه بذلك يسدد ضربة إلى شخص الزعيم وإلى فكره وعقيدة حزبه وهو بذلك يصيب عصفورين بحجر واحد . في الثمانينات والتسعينات كان من الصعوبة بمكان أن تقنع دكتورا في الجامعة أن يقبل الإشراف على رسالة ماجستير او دكتوراه تتناول هذا الكتاب بالذات، إلا في حال كان حزبيا أو متعاطفا مع الحزب. و كذلك لا يسمح أن يٍناقش مضمون الكتاب من قبل الطلاب أو الاستشهاد بمحتواه في الدراسات الدينية والفروض المتعلقة بالمواضيع التي يتناولها ، و كان ممنوعا الإشارة إليه في المعاهد الدينية لدى كل الطوائف وكم من مرّة دخلت أنا شخصيا في «خناقات» مع رجال الدين (مسيحيين ومسلمين) بسبب هذا الكتاب، لأكتشف أننا بالشكل نتباهى بالحرية والديمقراطية والتسامح الديني ولكن في الحقيقة كلّ هذا كلام فارغ فالقمع الفكري والديني والتعصّب والجهل أقوى من أي وقت مضى وكل من يجتمع ويقيم احتفالات و مؤتمرات للتوافق بين الأديان ، ليس سوى دجّال وحقود و طائفي ومجرم و أهدافه مشبوهة خاصة عندما ندرك يقينا أنّه يفعل ذلك بتمويل أجنبي وعمالة ظاهرة و واضحة كعين الشمس ، والهدف معروف : ترسيخ التعصب وإبقاء الأديان تراوح مكانها في عصبيّة قبليّة متخلفة مع انعدام الوصول الى قنوات تفاهم وتسامح
والهدف تأبيد مبدأ حصر الناس في حلقات دينية متخلّفة و قطعان تُساق إلى حظائر محاطة بسياجات دوغمائية كثيفة هدفها حجب الوعي والإدراك الى آجال غير معروفة!
عود على بدء أقول، أن إهمال وتهميش هذا الكتاب والتعتيم على محتواه في المناهج الجامعيّة والمدرسيّة في صفوف البكالوريا وفي معاهد اللاهوت والشريعة، في بلادنا جريمة كبرى، لا بلّ جريمة لا تغتفر، هي بكل بساطة جريمة همجيّة هدفها تثبيت الطائفية والكراهية والجهل لدى الأجيال الجديدة تمهيدا لإشعال حروب طائفية جديدة لا تنتهي في المستقبل القريب والبعيد على حدّ سواء!
عندما نرى على السوشيال ميديا مقدار التفاهات التي تصدر عن رجال الدين والناس العاديين في تناول موضوع الأديان والنقاش الذي غالبا ما يتمحور حول أفكار سطحية يسخر منها الطفل الصغير ولهذا شرح طويل ، نفهم ما هو المخطط المعدّ لهذه الأمة ونقرأ بوضوح المصير الأسود الذي ينتظر شعبنا في كل بقعة من بقاع الأمة التي صنعت الحضارة والآن يحضرون لوَأد هذه الحضارة في المكان الذي ولدت فيه …لذلك وبكل قناعة أقول : لنعد إلى كتاب سعادة : «الإسلام في رسالتيه»، ونعمل على نشر محتواه عبر السوشيال ميديا و نشرحه ولو بجرعات قليلة في البداية ، معتبرين أنه عماد لخارطة طريق على الأقل بالنسبة للآخر الذي لا يريد أن يمنح عقيدة سعادة الفرصة في التعبير عن ذاتها ؛ لعلّ في ذلك بارِقة أمل وسط كل هذا الخراب، وما يعدّ لمستقبل هذه الأمة من خراب أكثر عُنفا وضراوَة من السابق في صراعات وحروب دينية قادمة .

