سعادة في مواجهة الخيانة نتائج الخيانة وعلاجها ـ الموت المحتَّم أو القضاء على الداء الحلقة الخامسة عشرة والأخيرة 15

تأتي هذه الحلقة الختامية لتبيّن النتائج التي تفضي إليها الخيانة، ولتحدّد سبل مواجهتها ومعالجتها بوصفها قضية مصيرية تمسّ وجود الأمة ومستقبل نهضتها.

3.1 النتائج الكارثية للخيانة

أولًا: المآلات الكارثية ـ الموت الاجتماعي المحتَّم

تؤدي الخيانة، في رؤية سعاده، إلى سلسلة من الكوارث المتلازمة التي تفضي إلى هلاك المجتمع حتمًا:

أ ـ إفشال مشروع النهضة: تشكل الخيانة المعوّق الأساسي أمام أي نهضة، إذ أن النجاح لا يتحقق بوجودها. لذلك حذّر سعاده: «إذا لم نتخلص من الخيانات لا نبلغ الغاية».

ب ـ موت المجتمع وإفناؤه: يقدم سعاده تشخيصًا قاطعًا لا لبس فيه: «والمجتمع الذي يحتضن الخيانة ويفسح لها مجال الحياة مجتمع مصيره الموت المحتَّم.»[1] فالخيانة هنا ليست مجرد خطر، بل هي سم يؤدي إلى الإفناء، لأن بقاء «الانتهازيين في الحزب بعد ظهور غاياتهم وخياناتهم ­كان يجعل قضية الحزب في خطر دائم.»[2]

ج ـ تفكك النسيج الاجتماعي: حيث تقوض الخيانة ركيزة المجتمع الأساسية، ألا وهي الثقة، ف ـ «الخيانة تدمر روابط الثقة التي يقوم عليها المجتمع الصحي»، مما يهيئ الأمة للتفكك الداخلي والسيطرة الخارجية.

ثانيًا: سبل المعالجة ـ القضاء على الداء ومنابعه

في مواجهة هذا الخطر الوجودي، يقدم سعاده علاجًا شاملاً لا يقف عند رد الفعل، بل يتعداه إلى معالجة الأسباب الجذرية:

1 ـ الموقف الحازم: القضاء لا المساومة:

يقدم سعاده رؤيةً حاسمةً لمواجهة الخيانة، قائمةً على القضاء لا المساومة، انطلاقاً من فهمه لها بوصفها مرضًا وجوديًا يهدّد كيان الأمة. ويجسد هذا الموقف في مستويين متكاملين:

أولاً: التنقية المستمرة ـ منهج استباقي

يرى سعاده أن مناعة الجسد الحزبي لا تتحقق برد الفعل، بل بعملية تنقية مستمرة، يقول في خطابه عام 1938: «إنّ عملية تنقية الحزب السوري القومي من العناصر الفاسدة غير الصالحة لحمل الرسالة القومية المجددة ابتدأت مع ابتداء الحزب، ويجب أن تستمر ليكون الحزب متيناً جديراً بحمل أعباء النهضة القومية.»[3]

وهذا المنهج الاستباقي يؤكده في الاحتفال بمولده في بيونس آيرس عام 1942، مشيراً إلى أن:

«إدارة الحزب العليا لا تتوانى في استئصال شأفتها»، حتى تلك الخيانات القليلة التي قد تصدر عن «ضعفاء النفوس» الذين «يدخلون الحزب… فيظهر ضعفهم ويتزعزعون ويسقطون.[4]»

ثانياً: الاستئصال الجذري ـ علاج حاسم

عندما تستشري الآفة، يصبح الحل الوحيد هو الاستئصال الجذري والشامل. فبعد عودته إلى لبنان، شن سعاده حملةً شاملةً لتصحيح المسار العام، موضحاً أنه:

طهّر الدوائر الحزبية العليا من المصابين بأمراض التهدم والتراخي والتسوية والأنانية وأعاد قيمة المسؤولية إلى حقيقتها الفعلية، كما أنه طهّر المجتمع القومي الاجتماعي من العقائد الفاسدة التي تسربت إليه بواسطة الأنانيين الذين أهملوا العقيدة القومية الاجتماعية ليعملوا لغاياتهم الخصوصية التي جعلوا من الحزب ونظامه مطية لها.[5]

هذا الموقف يتوج بوصيته الشهيرة التي تجمع بين المبدأ والتكتيك:

«إني أوصيكم بالقضاء على الخيانة أينما وجدتموها، لأنه إذا لم نتخلص من الخيانات لا نبلغ الغاية.«

فالخيانة، في المبدأ النهائي لسعاده، لا تقبل المساومة، لأن «التسامح مع الخيانة هو بداية انهيار الثورة».

2 ـ المناعة المجتمعية: التربية على القيم: يرى سعاده أن العلاج الوقائي الأهم يكمن في بناء مناعة أخلاقية داخل المجتمع عبر التربية القومية التي تغرس قيم الولاء والفداء والتضحية، فتصبح الأمة قادرة على مقاومة سموم الخيانة ذاتيًا. لذلك يعتبر أن مهمة الحركة القومية الاجتماعية هي تعزيز الولاء القومي وبناء الشخصية المتكاملة و«إحياء المناقب الجميلة السامية وقتل المثالب»[6]، مؤكدًا على ضرورة أن «يكون المجتمع حاصلاً على تربية قومية صحيحة توجه الفرد نحو النظر في مصلحة المجموع دائمًا».[7]

3 ـ المعالجة الجذرية: تجفيف المنابع: يتعدى العلاج عند سعاده مستوى المواجهة الأمنية إلى مكافحة البيئة الحاضنة للخيانة، متمثلة في الجهل والفقر والحزبية الدينية والتوجيه الاستعماري، إذ أن المجتمع الرجعي، الجاهل، والفقير والمفكك يشكل بيئة خصبة للخيانة. وبذلك، يصبح بناء المجتمع القوي الموحّد، الواعي، والعادل هو الضمانة الدائمة لانحسارها. وكان سعاده دائمًا في حرب مع بيئة الفساد، مؤكدًا أن النصر يتوقف على تمسك أبناء العقيدة «بالأخلاق القومية الجديدة: أخلاق النهضة ـ أخلاق الثقة الراسخة المتبادلة ـ أخلاق الإيمان والمثابرة». أما «أخلاق الشك والتردد فهي أخلاق فساد البيئة ـ أخلاق اللاقوميين. وما رجاء الأمة إلا بالأخلاق القومية».[8]

لم ينحصر تأثير مفهوم سعاده في «القضاء على الخيانة» في إطار حياته وزمانه، بل امتد ليشكل مرجعية أخلاقية وسياسية استمرت في الممارسة اللاحقة للحزب. ففي سياق الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ومع تصاعد التعاون بين بعض الأطراف اللبنانية والعدو الإسرائيلي، تم، بتاريخ 14 أيلول 1982، اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل على يد حبيب الشرتوني.

وقد مثّل هذا الحدث ـ في الوعي الجمعي الداخلي للقوميين الاجتماعيين ـ تجسيداً عملياً لمبدأ محاسبة الخائن الذي أرساه سعاده. فعمدة القضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي نشرت لاحقاً كتيباً وثّقت فيه ما اعتبرته «تعاون الجميل مع العدو»، مستندة إلى تصريحات ومقابلات ومراجع مختلفة. كما أشار المنفذ حبيب الشرتوني أثناء التحقيق إلى أن دوافعه تعود إلى تعامل الجميل مع العدو مما شكل خيانة للوطن وللقضية القومية.[9]

وقد تجسّد هذا الاستمرار للمبدأ في الشعار الذي راج في الأوساط الحزبية: «لكل خائن حبيب»، في تلاعب لفظي يجمع بين اسم المنفذ والتأكيد على حتمية العقاب. وهكذا، تظهر الحادثة كيف بقي مفهوم الخيانة ومحاربتها حياً في الوعي الجمعي للقوميين الاجتماعيين، حتى في مراحل لاحقة وتحت ظروف سياسية معقدة مختلفة، وإن أثارت جدلاً واسعاً على مستويات عدة.

الخاتمة

يُجسِّد هذا البحث الرؤيةَ الشاملة والعميقة التي قدَّمها أنطون سعاده لمفهوم الخيانة، والتي تتجاوز بكثير الإطار الأخلاقي الفردي الضيق، لترتقي به إلى مستوى الظاهرة الاجتماعية ـ السياسية ـ الفكرية المركَّبة، التي تشكِّل «المرض العضال» الذي ينخر في جسد الأمة من الداخل ويهدِّد كيانها الوجودي. فقد كشفت الدراسة أن الخيانة في المنظور السعادي ليست حادثًا عابرًا، بل هي قوة تاريخية معادية للنهضة، تتفاعل مع اختلالات بنيوية في الواقع الاجتماعي والسياسي، وتتجلى في أشكال متعددة ومتداخلة.

لقد اتضح من خلال التحليل أن سعاده قدّم تشريحاً دقيقاً لأنماط الخيانة الرئيسية: الخيانة السياسية (الخيانة العظمى) المتمثلة في التعامل مع العدو والمساس بسيادة الأمة، والخيانة الفكرية بصورها المختلفة من تحريف وتبديل وتزييف وانتخال وتمييع، وصولاً إلى الخيانة التنظيمية داخل الحزب، وخيانة الأمانة الاجتماعية التي تقوض روابط الثقة المجتمعية. كما برزت الخيانة المركَّبة في نماذج مثل خالد أديب، التي جمعت بين الغدر التنظيمي، والتعريض الأمني للزعيم للخطر، والخيانة المالية، والتحول إلى أداة للعدو، وكسر اليمين.

تكمن الأهمية الاستثنائية للرؤية السعادية في ربطها العضوي بين البعدين الفردي والجماعي للخيانة. فالفرد الخائن هو تعبير عن أزمة في البيئة الاجتماعية الفاسدة، والبيئة الفاسدة بدورها تنتج أفرادًا أكثر خيانة، في حلقة مفرغة. كما أن تحليل سعاده لأسباب الخيانة ـ من واقع الأمة المأزوم، والانحراف الفكري والعقائدي، والضعف الأخلاقي، إلى الغفلة التنظيمية ـ يقدم إطارًا تفسيريًا ثريًا لفهم استمرار إشكاليات واقع الأمة المعاصر، حيث لا تزال «الخيانة المنظمة» تشكل عاملاً حاسمًا في استدامة الأزمات وتفكيك النسيج المجتمعي.

في مواجهة هذا الخطر الوجودي، قدَّم سعاده علاجًا شاملاً لا يقبل المساومة، قائمًا على ركيزتين أساسيتين: القضاء الحاسم على مظاهر الخيانة عبر التنقية المستمرة للصفوف والاستئصال الجذري للعناصر الفاسدة، والعلاج الوقائي عبر بناء المناعة المجتمعية عن طريق التربية القومية التي تغرس قيم الوفاء والثقة والتضحية، وتجفيف المنابع الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تغذي بيئة الخيانة.

أخيرًا، لا تقتصر أهمية هذا البحث على تقديم قراءة تحليلية متكاملة لفكر سعاده حول الخيانة فحسب، بل يفتح المجال أمام بحوث مستقبلية في مجالات متعددة، كتحليل خطاب الخيانة في الإعلام السياسي المعاصر، أو دراسة تجسيد شخصية «الخائن» في الأدب السوري، من خلال الإطار النظري الثري الذي وضعه سعاده، مما يؤكد حيوية فكره وقدرته التفسيرية على مواكبة تعقيدات الحاضر واستشراف آفاق المستقبل.


[1] المرجع ذاته، ص 50.

[2] المرجع ذاته، ص 49.

[3] أنطون سعاده، سعاده في أول آذار، خطاب عام 1938، ص 35.

[4] أنطون سعاده، الأعمال الكاملة، المجلد السادس 1942 ـ 1943، الاحتفال بمولد الزعيم في بوينُس آيرس.

[5] المثالية الأولى.

[6] الحزب السوري القومي الاجتماعي لا يقبل المثالب، الزوبعة، بويُنس آيرس، العدد 79، 12/8/1944.

[7] رأي النهضة ـ تشبيه، 24/10/1937.

[8] رأي النهضة ـ هل يفلح سعاده؟ 04/11/1937.

[9] الحزب السوري القومي الاجتماعي ـ عمدة القضاء، للحقيقة والتاريخ، الطبعة الأولى، بيروت، 2017.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *