الإنسان ـ المجتمع والدولة والعدالة

الإنسان ـ المجتمع هو القيمة العليا والغاية الأسمى، وغاية كل علم أو فلسفة أو نظم سياسية هي ارتقاؤه وتقدمه وسعادته وراحته وطمأنينته. فالإنسان ـ المجتمع ليس مجرد تجمع أفراد، بل واقع طبيعي حي تتفاعل فيه الحياة الإنسانية وتكتمل وتُدرك حقيقته. والفرد عضو من الجماعة في مجرى الحياة، متفاعل ومنصهر بميزته وإمكانياته. وما يصيب المجتمع يصيب الفرد، وما يصيب الفرد يترك أثره في المجتمع، إلا أن التأثير يختلف؛ فاختلال الفرد لا يهز وجود المجتمع، بينما الظواهر الاجتماعية المريضة والشاذة قد تقود الجماعة إلى التخلف أو الانحلال. لذا، يجب على كل فرد أن يدرك أنه إمكانية فاعلة، وأن شعوره بذات الجماعة يماثل شعوره بذاته، لأن اكتمال الذات لا يتحقق إلا في إطار الجماعة، لأن المجتمع هو الحقيقة الإنسانية الكلية.

العقل العلمي هو المعيار الأعلى لتمييز الصالح من السيئ، وهو المخوّل للنظر في الواقع الطبيعي الذي نحن فيه. فالعقل المحصن بالحقائق والتجارب يختبر صحة النظريات والنصوص ويخضعها للبرهان. وعند الاختلاف بين الحقائق العلمية والنصوص الافتراضية أو غير المادية، يكون الحسم لما آلت إليه التجربة الحياتية ودورها في فهم الواقع الحقيقي.

 التجربة العملية، التي يتفاعل بها ومعها المجتمع، تحدد الحكم النهائي، ويُستند إليها لتقرير ما إذا كانت النظرة أزمة تعوق الجماعة أم ممرًا لارتقائها. والمقصود بالنصوص هنا المعارف النفسية والقيم الإنسانية، وقياسها يكون بمدى تعزيزها لتماسك المجتمع، وترسيخها للشعور القومي، وتقويتها للحب الاجتماعي الذي يسير بالجماعة نحو الوحدة والحرية والسيادة، ويؤمن سعادة منزّهة عن الغرائز الفردية الجامحة.

العقل العلمي معيار تصويبي يخضع للمراجعة المستمرة، ما يضمن ديناميكية الفكر واستمراره في التطور.

التفكير الاجتماعي ليس قالبًا جامدًا، بل ذات اجتماعية حيّة متحركة، حيوية تقدمية تسعى نحو الارتقاء المستمر. وهذه الذات الاجتماعية تعبّر عن نفسها في صياغة قواعد وأسس الدولة، التي تمثل أرقى مؤسسات الجماعة المنظمة. فالدولة ليست مظهرًا منفصلًا عن المجتمع، بل هي تعبير سياسي وحقوقي عن مصالح المجتمع، تصهر تعدد المصالح في مصلحة عامة عادلة، تعود بالخير على الجميع دون نقصان أو إجحاف بحق أي فرد، بحسب قدراته وإنتاجيته، وبدون المساس بحياته الكريمة في ظل عدل وإنصاف. والعدل الاجتماعي والاقتصادي لا يقتصر على الأقوياء أو الأصحاء كقوة إنتاج، بل يشمل جميع الأفراد، بما في ذلك الضعفاء والمحتاجين، ما يكرس التوازن في منظومة الحياة بكل شؤونها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمتفاعلة بين الإنسان ـ المجتمع والبيئة، باعتبار الوجود الانساني القومي وحدة متكاملة متفاعلة.

الإرادة العامة ليست مجرد تراكم عددي، بل تعبير واعٍ عن المصلحة العامة، وهي معيار للتوجه المستقبلي الذي يحاكي مصالح الأمة في حريتها وحقوقها وسيادتها وتقدمها نحو الأرقى. والاختبار الحقيقي لهذه النظرة هو الواقع وكيف أصبح حال الأمة بعد اعتمادها؟ تُختبر كل نظرة بمدى فعاليتها في استنهاض الجماعة نحو الأفضل. فيض الخير والحق والجمال هو المعيار، والشعب بما ناله من هذا الفيض هو الحكم النهائي على صلاح النظرة، والقياس مستند إلى تقدم المجتمع وارتقائه الفعلي.

وفي مسيرة الأمم، قد تفرض الظروف تضحيات يتحملها أفراد دفاعًا عن حق الأمة في الحياة، غير أن التضحية الحقيقية تنبع من وعي الفرد لذاته التي هي من ذات الكبرى ـ ذات الأمة؛ عندها يبلغ أعلى إدراك للانتماء، يختار بإرادته أن يبذل نفسه من أجل بقاء الجماعة، وغالبًا دون تحفيز مباشر. والعدل يقتضي ألا يُفرض ذلك قهرًا، لأن القيمة الأخلاقية للتضحية تسقط بالإكراه.

هذه النظرة تقوم على ركائز مترابطة، الإنسان ـ المجتمع كوحدة حياة متكاملة. الجماعة هيئة اجتماعية واحدة، الشعور القومي جامع، والفرد فيها إمكانية فاعلة، والجماعة مسؤولة عنه كما هو مسؤول تجاهها التزامًا بالحقوق والواجبات. العقل العلمي والتجربة العملية معيار مستمر للتصويب، الدولة أو القيادة السياسية الصالحة هي التي تخدم مصالح الجماعة على المدى الطويل، ويُقاس نجاحها بنتائجها العملية. الدولة ليست سلطة قهرية، بل أداة تنظيمية قائمة على الاختصاص والمعرفة، تهدف إلى تحقيق مصالح الجماعة والارتقاء بها نحو أعلى مستويات الحرية والاستقلال، والعدالة، والكرامة، والإنسانية.

هذا هو ايماننا وهذه أمتنا السورية التي نؤمن بها وحدة طبيعية واجتماعية واقتصادية ومصيرية، وهذه دولتنا التي نريد إقامتها. ندعو شعبنا ان يعي ذاته ووجوده ويعمل لانتصار حقيقته حقيقة الامة السورية ويحفظ وجودها بالتضحية والفداء القومي وان يترك كل التأويلات الجاهلة التي لا يصيبنا منها إلا التمزق والضعف والذل والزوال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *