سؤال يتردد كثيرًا، وتأتي إجاباته من باب التمني، في الأعم الأغلب. انهيار الحضارات عملية بطيئة ومعقدة ولا تحصل فجأة. فابن خلدون قال بدورة حضارية: نشوء، فقوة، فترف، فضعف، فيما رأى المؤرخ البريطاني الشهير، أرنولد توينبي أن الحضارات تسقط حين تفشل نخبها في الاستجابة للتحديات، وشبه أوزوالد سبنغلر الحضارات بالكائن الحي: تولد وتشب وتهرم. فالانهيار عملية طويلة ومعقدة. دعونا نعود إلى التاريخ: كانت الإمبراطورية الرومانية في القرن الثاني الميلادي ثابتة كالجبال، وسقط نصفها الغربي بعد ثلاثة قرون لا غير! أسقطها التضخم الإداري، والأزمات الاقتصادية، والصراعات الداخلية، وأخيرًا وليس آخرًا، الضغط الخارجي. كما كانت الحضارة العباسية في أوجها في القرن التاسع الميلادي، وتصدرت بغداد العالم العلمي، لتتراجع بعدها نتيجة الصراعات السياسية، وتفكك السلطة، وتحولات طرق التجارة، والغزو الخارجي. أما الحضارة الصينية فمرت بسلسة من الانهيار والنمو تجسدت في تعاقب السلالات. لم تختف الحضارة ولم تسقط الثقافة، بل تغير الشكل السياسي: تغيرت الدولة. فما سقط، كما هو واضح من المقاربات أعلاه، كان النظام السياسي أو مراكز القوى، لا الحضارة.
فماذا عن الحضارة الغربية؟ ثمة مؤشرات يراها بعض الباحثين علامات ضعف: استقطاب سياسي حاد، وشيخوخة سكانية في دول عديدة، وديون مرتفعة، ودخول قوى عالمية جديدة. غير أن مؤشرات القوة، في الجهة الأخرى، تتمثل في تفوق علمي وتقني، وجامعات ومراكز بحث رائدة، ونفوذ ثقافي عالمي، ومؤسسات مستقرة نسبيًا. الأزمات لا تعني الانهيار بالضرورة، فكل الحضارات عانت من أزمات بدت قاتلة في حينها. ومن المفيد، في هذا السياق، التمييز بين التراجع والانهيار: فالتراجع يتمثل في فقدان تفوق نسبي، أما الانهيار فيعني تفكك النظام نفسه. تراجع الكثير من الإمبراطوريات، عبر التاريخ، وبقيت حاضرة في الفلسفة والعلوم. يحدث السقوط الحقيقي حين تتراكم أزمات لا قدرة للحضارة على التكيف معها. فهل هذا هو حال الغرب اليوم؟
لنعد إلى التاريخ: كانت علامات انهيار الإمبراطورية الرومانية واضحة: فقدت الدولة السيطرة العسكرية على الأطراف، وانهارت العملة والتجارة، وتفككت الإدارة المركزية، وعجزت الدولة عن جمع الضرائب. ولا تبدو أي من هذه المؤشرات على الغرب ككتلة حضارية. ما يحدث يمكن وصفه بانتقال قوة، لا زوال حضارة، والانتقال النسبي نحو الشرق تحو ل في التوازن لا انهيار للمنظومة. علام يبنى هذا الرأي؟
ثمة مؤشرات عدة: أهم الجامعات ومراكز البحث ما زالت غربية، والعملات المهيمنة عالمية ما زالت غربية، والشركات التقنية الكبرى ما زالت غربية، والتحالفات العسكرية الأقوى ما زالت غربية. الحضارات التي في طور الانهيار لا تتمتع بهذا الحجم من النفوذ.
فلم يتردد الكلام عن انهيار الحضارة الأوروبية؟ نشأ خطاب الأفول، تاريخيًا، داخل الحضارات القوية نفسه، وأشار ابن خلدون إلى هذا حين وصف خوف المجتمعات المترفة من فقدان القوة، كما كتب أوزوالد سبنغلر عن أفول الغرب قبل أكثر من قرن، وما زال الغرب قويًا ومهيمنًا.
تمر الحضارة الغربية، حاليًا، في مرحلة إعادة توازن تاريخي، وتواجه تحديات حقيقية، لكنها ما زالت بعيدة عن الانهيار.
ما يجري هو انتقال نسبي في ميزان القوة العالمي، وهو أمر طبيعي في تاريخ الحضارات. هذا الانتقال حاصل الآن بالفعل، وهو، كما أسلفنا، ليس حدثا مفاجئًا، بل مسار طويل بدأ منذ أواخر القرن العشرين. وتتضح الصورة العامة متى حللناها عبر خمسة محاور أساس:
(1) المحور الاقتصادي: إذ يتحرك مركز الثقل، تدريجيًا، من الغرب الأطلسي إلى آسيا. وتتراجع حصة الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي، نسبيًا، رغم ضخامتها. أما الصين، فقد أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتتقدم سريعًا، صناعيًا وتكنولوجيًا. ا ولهند مرشحة كي تكون ثالث قوة اقتصادية خلال عقدين. الاتجاه واضح: تتحول الهيمنة المنفردة إلى تعددية اقتصادية.
(2) المحور العسكري: ما زال التفوق العسكري غربيًا، لكنه لم يعد مطلقًا. وما زالت الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الأولى عالميًا
فيما تبني الصين أسرع توسع بحري في التاريخ الحديث. وأثبتت روسيا أنها قوة قادرة على تعطيل النظام الدولي رغم ضعف اقتصادها.
والاتجاه؟ تفوق واحد مقابل تحديات إقليمية متعددة.
(3) المحور التكنولوجي: هذا هو ميدان الصراع الحقيقي، فالغرب يهيمن على قطاع البرمجيات والرقائق المتقدمة، والصين تنافس في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية. ا ولنتيجة؟ لا أحد يملك احتكارًا كاملا للتكنولوجيا.
(4) المحور الديموغرافي: تتحول القوة السكانية جنوبًا وشر قًا، فأوروبا تشيخ، وشرق آسيا يتباطأ، وتشهد إفريقيا وجنوب آسيا انفجارا سكانيًا. والمستقبل، في المدى البعيد؟ المستقبل الطويل هو حيث يوجد شباب وعمالة.
(5) المحور المؤسسي: النظام الدولي يتغير، إذ صممت مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية في زمن الهيمنة الغربية، ونرى القوى الصاعدة تطالب بإعادة توزيع النفوذ داخلها أو إنشاء مؤسسات بديلة، فيما يحاول الاتحاد الأوروبي الحفاظ على وزن جماعي لتعويض تراجع الدول منفردة.
والمستقبل المنظور؟ لا قوة مهيمنة واحدة، إذ يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب. ثمة ثلاث كتل رئيسة: كتلة غربية بقيادة الولايات المتحدة، وكتلة آسيوية بقيادة الصين، وكتلة جنوبية صاعدة تقودها الهند وشركاؤها. ونرى أن الصراع سيكون تنافسيًا لا شاملًا، ولا نرى حروبًا كبرى بين القوى العظمى، وهي غير مرجحة لأن كلفتها كارثية اقتصاديًا. كما أن النفوذ سيتحدد بالتقنية لا بالجغرافيا: فالدولة التي تقود الذكاء الاصطناعي والحوسبة والفضاء ستملك التأثير الأكبر. موازين القوى لا تنهار ولا تنقلب بين ليلة وضحاها، بل يعاد توزيعها ببطء، ولن يكون القرن الحادي والعشرون قرن دولة واحدة، بل قرن توازن قوى متحرك.
د. رمزي صالحة

