عقل العويط، الروحُ الحائرة، الذهنُ المتّقد، ذو الثقافة العارِمة، الأستاذُ الجامعيُّ، بشوقِه الدائم إلى حنوة مسقطِه في بزيزا، في أعالي الكورة، عبارتُه صنوُه وافدة من تضاعيف الكتاب المقدّس، بشقّيه، العتيق والجديد، الوفيُّ لصحبِه، الحلوُ المعشر متى صفا مزاجُه، اللغوي بإمتياز، البحّاثة، الناقد الصائب، الناثر المحكم، السياسي البصير، وبين أصابعه مسبحة يكرُّ حبّاتها، وبين شفتيه سيجارٌ خارقٌ حارقٌ، أصدرَ أمس من شرفة بيروت عن هاشيت أنطوان كتاب الغرفة (صورة الغلاف: ميشال صايغ، تصميم الداخل: ماري تريز مرعب، تحرير ومتابعة نشر: محمد هاشم)، هو نصوصٌ حرّرَها عقل في صيف 2016 وخريفه، هي بثُّ شكوى، ودفعَها إلى النشر فصدرتْ في تشرين الأوّل 2025، ولعلّها غرفة الكتاب، ليس إلّا، فهي بمجملها حالة في الكتابة توازي انكشافَ فجوةٍ غائرةٍ في الكيان، في الزمن، في تأليف اللغة.
هو الحائر في الكتابة، مدى حيرته في بلاد الله الواسعة، استنتجَ بعد أشهرٍ كتابيّةٍ متلاحقةٍ من صيف 2016 وخريفه، أنّ ما ظنَّهُ، بدايةً، محضَ فصلٍ أو مقطع، هو في حقيقته حالة سرديّة، من سيرةٍ، من نصٍّ مفتوحٍ، ومن كتاب، نصوص متوائمة أخرى فيه، كُتِبتْ في مراحل لاحقة، أي انسيابُ الكشفِ بين أناملِه بالقلم، فيعودُ إلى صومعتِه، كتاب الغرفة، حيث سريره المفرَد، الواحد الأحد، بيدَ انّه، رغمَ ضيقِه، يتّسع لألف محبّ صديق، وهو نحاسيّ وقع عليه بعد بحثٍ شاقٍّ وطويل، في أسواق طرابلس القديمة، والقلمون، في العام 1986، فسحره، فاشتراه، فإذا هو في بالِه ديوانُ ڠوته الشعريّ الشرقي، وهو سريرُ فرويد النفْسي الغربي – ولله في خلقه شؤون – فالنفسُ قابعةٌ في دنيا الأحلام، والأحلام حدثٌ واقعٌ لا محالة.
لكنّه لم يدعُ ألف شخصٍ، بالطبع، إلى هذا السرير، لكنّه شاهدٌ مخلصٌ على ديمومة الأعجوبة، أعجوبة كسر الخبز والخمر، على الدوام، محتفظاً بالعزلة والنار والحلم، تكريماً لمملكة اللّاوعي ولفنون التجوال في المتاهات القصوى، فهو، وفي آن، يكره بيروت، لأنّ أحلامه وقِيمه تعرّضت للخيانة المهيبة، ولأنّه شخصيّاً تعرّض ويتعرّض يوميّاً على يدها لمثل هذه الخيانة، ولأجل هذا التعرّض المأسويّ المفجع، الذي لا نهاية له.
أمّا وقد عجزَ صاحب كتاب الغرفة عن الإجابة، ولو بوعيه المسترسل، عمّا آلَ إليه ضَنَى نفسِه من عذابات روحِه، فليسَ لي أمامي إلّا الاستعانة بالصبرِ على سردِه للكشف عن نوازع باطنِ لاوعيه، مُدركاً قصورَ عدّتي، فلا أنا فرويد ولا غريمه يونغ، وإن كنتُ أرطنُ بلغتهما، بفارق لا حدَّ له من جهلي بخلجاتٍ ممّا تتعرّض له روح عقل من كدمات لا تبقي ولا تذر، وها هو عقل، تحت خانةِ تحليلِه لنفسِه بنفسِه، يُنصِّبُ نفسَه إماماً في علم النفس، فأُجاريه في تساؤله:
أسأل ذاتي، هل سأتمكّن أنا هو هذا الشخص الماثِل الآن وراء الزجاج، الراغب بقوّةٍ هائلة في تأسيس علاقاتٍ شعريّةٍ وروائيّةٍ وفلسفيّةٍ مع عالمي الجديد، هل سأتمكّن من كتابة ذاتي المنقولة إلى هنا، في مكاني الغريب الذي هنا؟
لكن عقل يعي تماماً انّه هو نفسه ذلك الكائن الذي مَثُلَ وراء زجاج الواجهة البحريّة، في شقّته الغامضة، الرابضة على ذلك التلّ الخجول، عند مداخل المدينة الكسروانيّة، طوال نحو من ثلاثين عاماً، وهو في هذا محقٌّ، فعقل صنيعُ عقلِه، ومزاجُهُ مرآةُ روحِه، أعانَه الله على عذابه، وأعانَنا على فهم تفاسير كتابِ غرفتِه، فهو مادّة دسمة في الحنين إلى زمن جميل لكنّه باقٍ، فيما يعزّ عليه، في آن، أنْ يكره بيروت هذه الكره الوجوديّ والعاطفيّ، ويعزّ عليه أنْ يكره ذاته هذا الكرهَ الكيانيَّ كلّه، فيعترف، لكنّه على الرغم من كلّ شيء، يبدأ من جديد، في هذا المكان البيروتيّ الجديد، ويدعو أن تعينَه هذه المدينة – اللغة، وأن تسدِّدَ عيشه، وخُطاه، فهذه المرّة، سيعيشُ فيها، ويكتبُ فيها وهو نائم، فاتحاً رأسه بثقوبه كلّها، من أجل أنْ يسيل، كما لو أنّ سماءً لم تنزف من قبل، فللّه درّه عقل كيف اخترقَ حاجزَ اللغة فعبّرَ عن نفسِه بما يشفيها فنصّبَ نفسَه حكيمَها وراعيها نحوَ دربِ الهناء، وهو أهل له، كفاه تباريح وتجاريح، فله رخاءُ العَصَب، وهل يبقى وترُ القوس مشدوداً؟
هو عقل نفسه نصّه شبقٌ سماويّ ولاهوت دنيويّ، وما بينهما يتأرجح، فلا يخلدُ إلى الراحة إلّا في كتاب الغرفة، حيث الهناء والسكينة:
أنا الشاعرُ الملِكُ أتوّجُ نفسي بنفسي، رعيّتي الكتب والأحلامُ، والغرفةُ هناك وهنا، مملكتي. أنا الملِك. وأنا خادم هذا الملِك. لا مالَ لي، لا تاجَ عندي، ولا حاشية. فمَن مثلي!
فعلى رسلك يا عقلُ، وتمهّلْ، فما انقاضتْ الآمالُ إلّا لصابرٍ، وتذكّرْ أنّه غيرُ مأسوفٍ عليه زمنٌ ينقضي بالهمِّ والحَزَنِ، وأنّ في الدنيا لحظات حبور هي نسائم صَبَا تهبُّ من حيث يطلعُ الفجر وهو آتٍ، وما النصرُ إلّا ساعة صبرٍ، فأنتَ حُمِّلتَ أمراً عظيماً، فاصبرْ له تنجلِ الغشاوة عن عينيك، فما صاحبُ الهوى إلّا مُعذّبٌ، وتذكّر ما قاله بشارة عبد الله الخوري، الأخطل الصغير، جارك، من ذي قبل، عند الزوق، يعتني بجنينة ورد، وغنّاه له محمد عبد الوهاب، تهُنْ بلواك:
ما أقصرَ العمرَ حتّى نضيعَه في النضالِ
محمود شريح

