الحداثة وعقدة الغرب

أكثر مسألتين يتم التداول بهما ثقافياً، في الأوساط الاجتماعية، هما الغرب والحداثة، وذلك في إطار التثريب والإدانة، وحتى الكراهية والعداء، لدرجة أن هاتين المسألتين غير المنفصلتين، تشكلان جزء كبير من استهلاك طاقتنا المعرفية، وهدرها، وكأنه لم يبق إلاهما، لندخل عصر الشبع والمنعة، على الرغم من كل المؤشرات التي تظهر هوسنا بالغرب ومنجزاته (لنطل إلى أرقام الهجرة واللجوء إلى الغرب حتى نستطيع التقدير)، على الرغم من كل إعلاناتنا عن كراهيته، وتثريبه حتى من قبل من لجأوا إليه رافضين العودة إلى جنة الشرق السعيد، وتوق المتبقين في البلاد للالتحاق بأراضيه، علهم (يلحسون أصبعهم) من عطاياه. وهنا نقع نحن ( وهي غير معرّفة حتى الآن من قبلنا)، في مأزق تحضري خانق، إذ، لا نريد الإلتحاق بكبه، ولا التعلم من تجربته، ولا الأخذ بناصية منتجاته الثقافية، بل نريد فقط الإستفادة من عطاياه والبصاق عليه، وهو ما يمكن تسميته (أخلاقياً على الأقل) بعقدة الغرب، المرتبطة عضوياً، بالحداثة وقبولها كمسار وحيد شقته البشرية جمعاء، كطريق لتجاوز الأخطاء التي دونها التاريخ، برسم التجاوز والارتقاء. فالحداثة في هذا السياق الشعبوي التبسيطي، ليس استيراد السيارة (مثالاً) واستخدامها في التنقل، ( وربما في الاعتقالات والتفجيرات إلخ) بل توليد القوانين التي يستلزمها إحضار شيء لم نخترعه ولم نصنعه من أجل الاستفادة الحقيقية من وجوده، (هل نعرف مثلاً تكلفة موت فرد واحد على الاقتصاد الوطني بحادث سير عبثي مثلاً؟؟!)، فالصيغة الثقافية الحقوقية (طرقات، جسور، إشارات، قوانين ناظمة، العلاقة بالاقتصاد إلخ) التي تمارس في أرض الواقع هي من يعطي السيارة في مثالنا، وجودها وحقها في الوجود، ناهيك عن قيمتها كاختراع استهلاكي، فما هي في هذا القياس سوى جمل حديدي،  والثقافة هي من يعطيها هذه القيمة، وهذا يعود بكل الطرق إلى الحداثة والغرب، والعلاقة غير التفاعلية مع الحداثة والغرب، هي من يعيد السيارة إلى جادة الجمل الحديدي.

الحداثة بالمقياس الزمن هي (الآن)، إذ لا زمن نعيش فيه سواه، ولكنها بالمنظور التفكيري هي (المستقبل) الذي يفرض على الجميع العمل لأجله، حتى لا نكرر أخطائنا القديمة والمستجدة، وغير ذلك هو اختطاف للحياة، وبالتالي سرقة المعنى من وجودنا وإخفائه، تحت وابل من اللاعقلانية ( الكراهية، العداء، الاحتراب)، وحتى في هذه الحالة غير النبيلة أو حتى الشريفة، فهذه الأقانيم المذكورة بحاجة إلى الحداثة بوصفها عامل قوة، لمواجهة الحداثة ومن وراءها الغرب، ولكن هذه الأقانيم تمنع التفاعل مع الحداثة، صانعة جدار فصل عنصري مع الشبع والمنعة، المحصنتين، بقيم المساواة والعدالة والحرية، التي تفتح المجال للعقل والأخلاق بالتفتح والانطلاق إلى رحاب المعرفة والإنتاج. لذلك تبدو بلداننا ليس فيها (الآن) ما يقتضي بعدم وجود مستقبل، وهذا يعني الفناء بطرق مؤلمة، هذا من جهة الزمن، أما من جهة المعنى فالحداثة في كل زمان هي خلاصة التجربة البشرية، التي دُفعت في سبيلها المقدرات والحيوات، في سبيل عدم تكرار أخطاء الماضي البشري، فالتاريخ لا يفيدنا (عملياً) بشيء سوى معرفة أخطائنا في كافة صنوف المعرفة البشرية، من الأخلاق حتى آخر صرعة من صرعات السلاح النووي.

أما «الغرب» فهو خلاصة تجربة بشرية في شتى أنحاء المعمورة ( إستعمار، مستشرقين، إكتشافات جغرافية، مغامرين، مختبرات، مصانع إلخ)، كُثفت، وأنزلت إلى الناس كممارسة حياتية يومية، عبر القوانين التي تنتج أخلاقاً أفضل وبدورها تدفع بالقوانين إلى الارتقاء (عبر البرلمانات) وبالتالي التربية على أخلاق جديدة، وهكذا دواليك، هذا هو الغرب في بلاده، هذا هو الغرب الذي نرفض ممارسة ما يشبه تجربته، التي تقودنا إلى مقاومة الأخطاء التاريخية، وبالتالي تجاوز محنة اجترار أنفسنا، بأهوالها وويلاتها، إذ ما يمنع أن نتشبه به، وما الذي أضار اليابان، وسينغافورة، وكوريا الجنوبية، وأخيراً الصين بعظمتها أنت تستقي من تجارب هذا الغرب (على فكرة «الغرب» مصطلح أشوه وجزافي ومحرك للكراهية)، وتبني أوطانها على الإبداع والإنتاج، وهذا معنى واضح للعيان وهو، إذا كان الغرب سيئاً، لا يعني إنني جيد، وخصوصاً في تجارب القرن العشرين الآفل، والربع الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث نبدوا كمن تلقى ألف صفعة «على حين غرة»، في إصرار جزافي على تلقي المزيد من أجل التفاجؤ فقط وربما التفاخر بصمود واه، وتشارف مهدد، على شفير الفناء، وكأننا نعدّ أنفسنا لنصبح ذكرى تاريخية، دون أن يعني لنا وجودنا شيء، في معادلة دهمائية شديدة الغباء تختصر بـ «نفسي فيه وتفو عليه»، وهذه الحالة ليست تبسيطاً، فثقافتنا تنتمي إلى هذا النوع من الوقار الشعبوي الدهمائي الذي يكثفه المثل الشعبي المصري: «أتضرب بالجزمة ولكن كرامتي فوق»

علينا أن نحل عقدة الحداثة/ الغرب، لمصلحتنا، لبقائنا، وأستمرارنا، وإلا فمن صنع سايكس/ بيكو ووحدنا في كيانات، سيعطي المهمة هذه المرة لروبوت، مبرمج بالذكاء الاصطناعي، ليفحصنا على أساس نظرية التطور، ومن ثم ليقرر إذا كنا صالحين للعيش في هذا الزمان أم لا، فالوجه الآخر للحداثة هو أنجح وأنتج وأبدع، كي أراك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *