ليست الوثائق التي كُشف عنها في قضايا جيفري إبستين، ولا ما ارتبط بها من أسماء نافذة في السياسة والمال والإعلام، مجرد «فضائح أخلاقية» أو انحرافات فردية لطبقة مترفة أصابها الملل. هذا التوصيف، بقدر ما يبدو مريحًا، هو في الحقيقة شكل من أشكال التعمية. ما انكشف ـ وما لا يزال ينكشف ـ يشير إلى شيء أعمق بكثير: منظومة إمبريالية بلغت طورًا من الانفلات لم تعد فيه بحاجة إلى أي قناع أخلاقي أو رمزي، لا أمام شعوبها ولا أمام العالم.
نحن لا نواجه «سقوط أفراد»، بل انكشاف منطق حكم. منطق يرى في الإنسان مادة استعمال، وفي الجسد أداة، وفي الجريمة وسيلة إدارة. حين تتكرر الوقائع، وتتقاطع الشهادات، وتتداخل الأسماء عبر القارات، ويُدفن الملف كل مرة بالقوة أو بالتسويات أو بالصمت، يصبح السؤال مختلفًا: أي نظام هذا الذي تنتج فضائحه هذا القدر من البشاعة المنظمة؟
من «الاستثناء» إلى القاعدة: الجريمة كآلية داخل السلطة
لطالما حاول الإعلام الغربي، ومعه النخب الليبرالية، حصر هذه القضايا في إطار «الانحراف الجنسي» أو «الفساد الأخلاقي». لكن هذا الإطار ينهار عند أول تحليل جدي.
نحن أمام شبكات، لا نزوات .وأمام أنماط متكررة، لا حوادث عرضية.
وأمام حماية مؤسسية، لا فراغ قانوني.
حين تتورط شخصيات سياسية عليا، ورجال أعمال عابرون للحدود، ودبلوماسيون، وأجهزة، في شبكات استغلال جنسي تشمل قاصرين، وحين تتحول هذه الشبكات إلى أدوات ابتزاز وربط مصالح، يصبح واضحًا أننا لسنا أمام «فضيحة»، بل أمام تقنية حكم. الجريمة هنا لا تُرتكب رغم السلطة، بل من داخلها، وتُدار وتُحمى باسمها.
الأخطر أن هذه الممارسات لا تُستخدم فقط للإشباع أو المتعة، بل للضبط والسيطرة: من يشارك، يُمسك عليه الملف؛ ومن يُمسك عليه الملف، يُضمن ولاؤه. هكذا تُدار الإمبراطورية حين لا تعود القوانين ولا القيم كافية.
ما بعد انهيار الردع: الإمبراطورية بلا خصم
لم يكن تفكك الاتحاد السوفييتي حدثًا جيوسياسيًا فحسب؛ كان انهيارًا لمنظومة ردع أخلاقي–سياسي، مهما كانت تناقضاتها. بغياب الخصم التاريخي، لم تعد الإمبراطورية الغربية مضطرة لتقديم نفسها بوصفها «العالم الحر» في مقابل «الاستبداد». لم تعد بحاجة إلى المسرح.
منذ التسعينيات، بدأ التحول البطيء ثم المتسارع: من الخطاب الحقوقي إلى القوة العار
ومن التعددية إلى الإملاء ثم من الشرعية إلى الوقاحة
في هذا السياق، لا تعود الفضائح صادمة. الصادم فقط أننا ما زلنا نُصرّ على التعامل معها كاستثناءات. الانفلات الأخلاقي ليس عرضًا جانبيًا، بل نتيجة مباشرة لانعدام الردع التاريخي. إمبراطورية بلا خصم تتحول بالضرورة إلى إمبراطورية بلا محظورات.
من واشنطن إلى غزة: وحدة المنطق
من يعتقد أن ما يجري في غرف مغلقة لا علاقة له بما يجري في غزة أو في الجولان أو في أي بقعة مستهدفة من العالم، يفصل ما لا ينفصل. المنطق واحد، وإن اختلفت الأدوات.
المنظومة التي تسمح لنخبها بممارسة أبشع أشكال الانتهاك داخل دوائرها الخاصة، هي نفسها التي لا ترى في شعوب الجنوب سوى عوائق جيوسياسية.
المنطق الذي يُحوّل الجسد إلى أداة، هو نفسه الذي يُحوّل الأرض إلى غنيمة.
ومن لا يرى في الطفل إنسانًا، لن يرى في الشعب شعبًا.
لهذا ليس مفاجئًا أن تترافق فضائح النخب مع:
دعم غير مشروط للإبادة واستخفاف علني بالقانون الدولي وازدراء فاضح للرأي العام العالمي ثم زوال أي محاولة حقيقية لاستخدام «القوة الناعمة»
نحن أمام مرحلة البطش الصريح، حيث لم تعد الإمبراطورية ترى ضرورة للتبرير.
ترامب ليس شذوذًا… بل علامة
يُخطئ من يظن أن ظاهرة ترامب تمثل انحرافًا عن «القيم الأميركية». ترامب هو تكثيف فجّ لما كانت تمارسه الإمبراطورية بلغة أكثر تهذيبًا. الوقاحة هنا ليست انقلابًا، بل كشفًا.
حين يتفاخر سياسي بعلاقات، أو بتصريحات تنطوي على ازدراء شعوب بأكملها، أو حين تُلاحقه اتهامات خطيرة ثم يُعاد إنتاجه سياسيًا، فالمشكلة ليست في الشخص، بل في النظام الذي يسمح بذلك، ثم يكافئه.
ترامب لم يُسقط القناع؛ قناع سقط أصلًا. وهو فقط قرر أن يتكلم بلا رتوش.
سقوط «القوة الناعمة»: حين يفشل الإقناع
كانت الإمبراطورية، في ذروة صعودها، قادرة على الإقناع بعناوين الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والنموذج الثقافي، والحلم الأميركي.
اليوم، لم يبقَ من ذلك سوى الشعارات.
حين تتحول المؤتمرات الدولية إلى مسارح نفاق، وحين يصرّح مسؤولون بأن دولهم «تابعة»، وحين تُدار الأزمات العالمية بمنطق الصفقة والابتزاز، نكون أمام زوال فعلي للقوة الناعمة. وما يملأ الفراغ ليس البديل الحضاري، بل العنف.
الفضائح الأخلاقية ليست منفصلة عن هذا الزوال؛ إنها جزء منه. فالنظام الذي يفشل في الإقناع، يلجأ إلى السيطرة. والذي يعجزعن الهيمنة الرمزية، يعتمد الهيمنة العارية.
لماذا يجب تسمية الأمور بأسمائها؟
لأن اللغة الملتبسة تخدم الجريمة. ولأن التخفيف المفاهيمي هو أول أشكال التواطؤ.
ما انكشف ليس «فسادًا»، بل إجرام منظّم.
ليس «انحرافًا»، بل انحطاط بنيوي.
وليس «مؤامرات»، بل وثائق وشهادات وأنماط متكررة.
تسمية الأشياء بأسمائها ليست شعبوية، بل شرط أولي لأي وعي تحرّري. من دون ذلك، يتحول التحليل إلى تمرين لغوي، وتتحول الفضيحة إلى مادة استهلاك.
الخاتمة: لحظة الانكشاف… ولحظة القرار
نحن نعيش لحظة تاريخية نادرة: هي لحظة انكشاف الإمبراطورية أمام نفسها وأمام العالم. فهي لم تعد قادرة على الإقناع، ولا راغبة في التبرير، ولا معنية بإخفاء قبحها. هذا الانكشاف ليس ضعفًا تلقائيًا، لكنه فرصة تاريخية.
النهضة لا تبدأ من الصدمة، بل من الفهم. ولا تُبنى على الفضائح، بل على إدراك منطقها.
ولا تقوم على الأخلاق المجردة، بل على مشروع سيادي مقاوم يرى العالم كما هو، لا كما يُسوَّق.
في زمن البطش العاري، يصبح الوضوح فضيلة، والمواجهة ضرورة، والتسمية فعل مقاومة.
الإمبراطورية التي لم يعد لديها ما تخسره أخلاقيًا، يمكن هزيمتها فقط بمنظومة وعي لا تخاف الحقيقة، ولا تساوم عليها، ولا تبحث عن خلاص داخل أدواتها.
تلك هي لحظة القرار:
إما أن نكتفي بالتفرج على الانحطاط، أو أن نحوله إلى نقطة انطلاق لنهضة تعرف عدوّها، وتعرف نفسها، ولا تخطئ الطريق.

