صناعة الاسلحة في الولايات المتحدة: لوبيات وشركات لتأجيج الحروب

تطرح دائماً علامات استفهام حول الدور الذي يلعبه لوبي السلاح ومن خلفه شركات الأسلحة في تأجيج الصراعات بين الدول أو إشعال الحروب هنا وهنالك في دول المعمورة. ويُطرح أيضاً السؤال إلى أي مدى يمكنهما توجيه السياسة الأميركية لخدمة مصالحهما.

من المعلوم أن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للأسلحة في العالم. رغم ذلك تفيد التقارير أنه منذ تسعينيات القرن الماضي، تقلص عدد شركات الدفاع الكبرى من 51 إلى 5 شركات تُعرف بـ«رؤوس الصناعة» أو بالنخبة، وهي لوكهيد مارتن، شركة «آر تي إكس» (رايثون تكنولوجيز سابقاً)، جنرال دايناميكس، نورثغروب غرومان، وبوينغ. وهي اليوم تتصدر تلك الصناعة. وأدى هذا التركز في خمس شركات فقط إلى إضعاف سلسلة التوريد الوطنية، واختفاء الورش الصغيرة التي كانت توفر أجزاء حيوية للمعدات العسكرية. إلا أن هذه الشركات الكبرى تعمل ببطء وتستفيد من غياب المنافسة، فهي بارعة في التعامل مع البيروقراطية، لكنها غير مهيأة للإنتاج السريع الذي يتطلبه عصر الصراعات الحديثة.

هذه الشركات وغيرها تبيع إنتاجها أي الأسلحة على أنواعها إما في السوق المحلية أو للجيش الأميركي أو لجهات خارجية توافق عليها بالطبع الإدارة الأميركية. وفي كل فئة منها تحاول تأمين تجارتها الرابحة والتأكد من استمرارها.

في عام 2023 تجاوزت عقود بمليارات الدولارات لتوريد الأسلحة إلى الجيش الأميركي 466 مليار دولار، وكذلك بيع السلاح للجيوش الحليفة لواشنطن وربما لبعض المليشيات المدعومة منها، بل إنها قد تبيع السلاح إلى كلا الطرفين المتحاربين كما حدث في الحرب بين العراق وإيران في ثمانيات القرن الماضي. فبينما كانت واشنطن تدعم بغداد علانية بالأسلحة والمساعدات الاستخباراتية، كانت أيضاً تبيع الأسلحة لطهران سراً عبر وسطاء، وهو ما تكشف في قضية إيران كونترا عام 1986. هذا الأمر تكرر أيضاً في الحرب ما بين الهند وباكستان عامي 1965 و1971، وتكرر بشكل غير مباشر في مناطق عدة، فقد تواجدت الأسلحة الاميركية بين طرفي الصراع في الحروب أو النزاعات الداخلية في كل من اليمن وليبيا وسوريا وأفغانستان، وقبل ذلك في اسبانيا.

عام 1934 حين شكل الكونغرس لجنة تحقيق عرفت باسم «لجنة ناي» للنظر في مدى ضلوع لوبي الشركات المصنعة للأسلحة بتوريط الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى التي راح ضحيتها 53 ألف أميركي، كانت شركات الأسلحة أكبر المستفيدين مادياً من هذا اللوبي. في ذلك الوقت عقدت اللجنة 93 جلسة استماع وحققت مع أكثر من 200 شاهد على مدار عام ونصف. لكنها أوقفت فجأة دون أن تصدر نتائج تحقيقها.

إلا أن حل هذه اللجنة لم ينجح في تبديد المخاوف حول العلاقة الغامضة بين المؤسسة العسكرية وشركات السلاح، والتي عبّر عنها الرئيس دوايت ايزنهاور عام 1961 مطلقاً اسم «المجمع الصناعي العسكري» على ذلك التحالف المريب والنافذ الذي من شأنه تهديد الديمقراطية الأميركية مدفوعاً بالمصالح الخاصة لشركات السلاح. ولم تكن مخاوف أيزنهاور مجرد هواجس، فبحسب أوراق البنتاغون وهي وثائق حكومية مسربة نشرتها نيويورك تايمز في حزيران 1971 فإن صنّاع القرار الأميركي كانوا على علم بأن الحرب في فيتنام غير قابلة للفوز، لكنهم ااستمروا فيها بسبب الضغط السياسي والاقتصادي من الجهات المرتبطة بالصناعات الدفاعية. تضمنت تلك المصالح الدفاعية عقوداً ضخمة لشركات الأسلحة والمقاولين العسكريين مما دفع المسؤولين للاستمرار في الحرب للحفاظ على هذه العلاقات والصفقات المربحة وبغض النظر عن الخسائر البشرية والمادية الهائلة. وفي كتاب «العسكرة الأميركية الجديدة» الذي يحلل السياسة الخارجية الأميركية بعد الحرب الباردة، يقول كاتبه أندرو بازيفيتش «إن صناعة الأسلحة كانت إحدى العوامل التي عززت فكرة استخدام واشنطن للقوة العسكرية كحل للمشاكل الدولية بدلاً من السعي نحو الدبلوماسية او الحلول السلمية». وهذا النهج في التعاطي مع الأزمات والصراعات الدولية ما زالت الولايات المتحدة تنتهجه بهدف فرض هيمنتها وسياساتها على مناطق النزاعات.

أما «أوراق أفغانستان» وهي وثائق سرية حكومية نشرتها واشنطن بوست في عام 2019 فتشير إلى أن المسؤولين الأميركيين كانوا يعرفون بأن الحرب في أفغانستان تسير بشكل سيء لكنهم قدموا معلومات مضللة للجمهور على مدى 20 عاماً. وبينما يستمر الإنفاق العسكري الهائل على المعدات والعمليات وتتدفق الأرباح على الشركات المصنعة للسلاح، وبينما يطول كذلك أمد النزاع دون داع حقيقي، نرى أن الجميع خسر، فيما حقق المجمع الصناعي العسكري الفوز. ومن المفيد معرفة أن الكثير من المسؤولين الأميركيين ينتقلون من العمل لصالح شركات السلاح إلى مناصب عليا في البنتاغون، ثم يعودون لاحقاً إلى تلك الشركات أو اللوبيات المرتبطة بها فيما يعرف باسم «الباب الدوار». وبذلك يمكن أن نستشف حقيقة تلك الدائرة المغلقة التي يدور فيها المسؤولون السياسيون وصنّاع الأسلحة بهدف واحد وهو تحقيق الأرباح والصفقات.

على المقلب الثاني من موضوع صناعة الأسلحة واللوبيات الدائرة في فلكها، لا يمكن إغفال دور الولايات المتحدة في تسليح الكيان الصهيوني وتقديم التمويل العسكري له والذي بات مكشوفاً بالكامل لا سيما بعد الحرب على قطاع غزة. وفي هذا السياق، ولأول مرة في تاريخ أمريكا، أصدر عمدة نيويورك زهران ممداني قراراً رسمياً بـ «طرد وإلغاء عقود» إحدى كبريات الشركات التقنية التي تزود الجيش «الإسرائيلي» بالطائرات المسيرة «الدرونز». ومعلوم أن نيويورك بالتحديد تُعتبر «معقل اللوبيات الضاربة» وبالتالي فإن هذا القرار هو أجرأ تحرك سياسي في نظر النيويوركيين، وأن ممداني أثبت أن صندوق الاقتراع أقوى من صناديق السـلاح، خصوصاً أنه حوّل منصبه كعمدة نيويورك إلى منصة للدفاع عن حقوق الإنسان ووقف دعم آلة الحــرب. ومن شأن قراره هذا أن يفتح الباب أمام ولايات ومدن أمريكية أخرى لاتخاذ خطوات مشابهة، مما يهــدد شريان الحياة التقني والعسكري الذي يعتمد عليه الكيان الصهيوني في عملياته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *